سودان تمورو:
يُقصد بإحياء الدين في السياسة الدولية عودة القيم والرموز والأفكار الدينية لتؤدي دورًا مؤثرًا في تشكيل السياسات الداخلية والخارجية.
وبرغم موجات العلمنة والعولمة، ظلّ الدين عنصرًا مهمًا في تكوين الهوية، وصنع القرار، وتحديد التحالفات والصراعات في العالم المعاصر.
السؤال الجوهري
هل المقصود بإحياء الدين هو عودة التطرف الديني فحسب؟
إن كان الأمر كذلك، فإن الظاهرة تشبه صعود الفاشية والنازية والشيوعية بوصفها ردود فعل على الإحباط الاجتماعي والتهميش الاقتصادي. وبذلك يصبح التطرف الديني شكلًا من الاستجابة النفسية–السياسية التي تلجأ إليها المجتمعات في مواجهة الضغوط والانكسارات.
لكنّ المفارقة الكبرى تظهر في المجتمعات المتقدمة:
فبرغم نجاح مشاريع التحديث والعلمنة، نشهد خلال العقود الأخيرة ارتفاعًا في الممارسات والسلوكيات الدينية، ما يعيد طرح سؤال العلاقة بين الدين والتقدم ويقوّض مفاهيم التحديث الصلبة التي اعتبرت الدين عقبة أمام التطور.
أولًا: أبعاد إحياء الدين في العلاقات الدولية
- البعد الهويّاتي وتعزيز الشرعية الداخلية
عادةً ما يرتبط إحياء الدين في المجال السياسي بمحاولة الدول ترسيخ هويتها الوطنية وتعزيز شرعية النظام الحاكم. فالدول التي تستند إلى مرجعية دينية أو توظّف الموروث الديني في خطابها السياسي، تستطيع في كثير من الأحيان تحقيق قدر أعلى من الوحدة الداخلية في مواجهة التهديدات الخارجية.
مثال تاريخي: بعد ثورة عام 1979، أسست إيران نظام الجمهورية الإسلامية القائم على المرجعية الشيعية، ما ساهم في ترسيخ شرعيتها الداخلية والحفاظ على تماسكها الوطني رغم العقوبات والضغوط الدولية المتصاعدة.
- البعد المعياري والقانوني
يسهم الدين في صياغة الأطر المعيارية والقانونية على الصعيد الدولي، إذ قد تؤدي الدول ذات المرجعية الدينية دورًا مهمًا في إنشاء مؤسسات واتفاقات إقليمية.
مثال تاريخي: اضطلعت دول إسلامية مثل إيران وإندونيسيا ومصر والسعودية بدور مركزي في تأسيس منظمة التعاون الإسلامي، التي أصبحت إحدى أبرز المؤسسات السياسية المعيارية في العالم الإسلامي.
- البعد الأمني والعسكري
قد يشكّل إحياء الدين محرّكًا للقوة الصلبة والناعمة على حدّ سواء. فالهوية الدينية يمكن أن تكون عاملًا تعبويًا فعّالًا وأساسًا لبناء تحالفات إقليمية وعابرة للحدود.
مثال تاريخي: خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980–1988) لعبت العقائد الدينية دورًا بارزًا في التعبئة الشعبية وصياغة الاستراتيجية العسكرية، خصوصًا على الجانب الإيراني.
- البعد الدبلوماسي وتوسّع النفوذ الإقليمي
تستثمر بعض الدول الإحياء الديني لبناء نفوذ في أوساط الشعوب أو الدول التي تشترك معها في المذهب، ولتشكيل شبكات دعم سياسية واقتصادية.
مثال تاريخي: عززت السعودية منذ ثمانينيات القرن العشرين نفوذها الإقليمي عبر نشر الأيديولوجيا الوهابية.
مثال حديث: اعتمدت إيران على الروابط المذهبية الشيعية لتطوير شبكة نفوذ واسعة في العراق ولبنان واليمن.
- البعد المتعلق بالتوترات والصراعات
لا يؤدي إحياء الدين دائمًا إلى نتائج إيجابية؛ فقد يفضي في حالات معينة إلى صراعات مسلحة، أو توترات مذهبية، أو ظهور جماعات متطرفة.
أمثلة: الحروب الصليبية في العصور الوسطى، وظهور الجماعات المسلحة ذات الطابع الديني في سوريا والعراق بدعم أيديولوجي أو سياسي من أطراف إقليمية.
خلاصة هذا الجزء
إن إحياء الدين في العلاقات الدولية ظاهرة مزدوجة الأثر؛ يمكن أن تعزز الشرعية والوحدة الداخلية والنفوذ الإقليمي، كما قد تسهم في تصاعد التوترات العابرة للحدود. وتكون آثارها الإيجابية أرجح عندما تُدمج في استراتيجية وطنية رشيدة تقوم على الفهم الصحيح للتراث الديني وتوظيفه عبر أدوات الدبلوماسية والتنمية، لا عبر الخطاب الأيديولوجي أو الصدامي.
