سودان تمورو:
- تُعدّ الدولة العنصر المركزي في تشكيل النظام الدولي، إذ تمثل الوحدة الأساسية التي تنشأ منها علاقاته وبنيته العامة. ويعود ذلك إلى الدور الحاسم الذي يلعبه صانعو القرار والنخب السياسية في تحديد خيارات السياسة الخارجية وتوجيه حركة التفاعل الدولي.
- يتمثّل الطابع الثاني للنظام الدولي في أنّ مركزه أو نواته أحيانًا لا يضمّ إلا دولتين أو مجموعة محدودة من الدول الكبرى، التي تؤثر تفاعلاتها في بقية الوحدات الدولية وتخضعها لنطاق نفوذها، بحيث تصبح هذه الدول محور الثقل في بنية النظام والسياسة العالمية.
- السمة الثالثة للنظام الدولي هي مدى ثباته أو عدم ثباته، أو بتعبير آخر: قابليته للتغير. يكون النظام مستقرًا عندما تكون وحداته الرئيسة واضحة المعالم، ويُمكن التنبؤ بسلوكها وتفاعلاتها المتبادلة. أمّا عندما تفقد بعض الدول مكانتها أو تصبح أفعالها غير قابلة للتوقع، فإن النظام يدخل مرحلة اللاتوازن، وهي عادة مرحلة انتقالية تتشكل فيها ملامح نظام دولي جديد.
مكوّنات النظام الدولي
وفقًا للتعريفات المتداولة، يتكوّن النظام الدولي من عدّة متغيّرات أساسية: الوحدات، البنية (الهيكل)، العملية (الفرایند)، القواعد، والبيئة الخارجية.
أولًا: الوحدات
يتغيّر مفهوم الوحدة الدولية وفقًا لكيفية تعريف النظام الدولي نفسه:
- إذا اعتُبر النظام الدولي قائمًا أساسًا على الدول القومية، فإنّ وحداته الرئيسة هي الدولة–الأمة ومؤسساتها السياسية.
- أما إذا استُوعب النظام ضمن رؤية أوسع تشمل الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين، فإنّ وحداته تصبح مجمل الفاعلين الدوليين من دول ومنظمات وحركات وشركات متعددة الجنسيات.
ولذلك يميل بعض الباحثين إلى استخدام مصطلح النظام الدولي للدلالة على التصور الأول، والنظام العالمي للدلالة على التصور الثاني.
ثانيًا: البيئة الخارجية
لكل نظام بيئة خارجية يتأثر بها ويؤثّر فيها، وتنقسم إلى بيئتين:
- البيئة الفيزيائية أو الطبيعية:
وتشمل القوى والعوامل غير البشرية التي تضغط على النظام وتشكّل شروط عمله.
- البيئة الاجتماعية:
وهي نتاج سلوك الفاعلين البشر، وما ينتج عنه من قضايا اقتصادية وسياسية وثقافية تؤثر في النظام.
ويثور هنا سؤال منهجي:
هل للنظام الدولي المعاصر بيئة خارجية، كما كان الحال في الأنظمة التاريخية مثل النظام الأوروبي؟
الإشكال ينبع من تشعّب التفاعلات الاقتصادية والسياسية العالمية التي قد تُعتبر جزءًا من النظام ذاته، مما يحدّ من إمكانية تعريف “الخارج”.
الحل المقترح:
إعادة تعريف النظام الدولي باعتباره نظامًا سياسيًا دوليًا حصراً، بحيث ينحصر في الظواهر السياسية وحدها. وفي هذه الحالة تصبح البيئة الخارجية هي كل القوى والعوامل غير السياسية—سواء كانت بشرية أو طبيعية—التي تؤثر في النظام، مثل:
التغير المناخي، التحولات الديموغرافية، الجغرافيا السياسية، الأيديولوجيات المتطرفة…
ومع ذلك يبقى هذا الفصل مفهوميًا أكثر من كونه حادًّا وواقعيًا.
ثالثًا: البنية (الهيكل)
تمثّل البنية البعد الأكثر مركزية في علم العلاقات الدولية، ويمكن تعريفها عبر ثلاثة اتجاهات:
التعريف الأول: البنية كترتيب للوحدات
وفق هذا التعريف تمثل البنية طريقة ترتيب الوحدات وفق معيار محدد، وهو عند الواقعيين الجدد والليبراليين الجدد توزيع القدرات بينها.
وبناءً عليه تتحدد أنماط البنية (أحادية القطبية، ثنائية، متعددة).
التعريف الثاني: البنية كنمط علاقات متكررة
ترتبط البنية هنا بالأساليب المستقرة للعلاقات بين الوحدات، بحيث تمنح النظام نوعًا من الاتساق الداخلي.
التعريف الثالث: البنية كمنظومة أفكار وقيم
وفق المدرسة البنائية، البنية غير مادية بالأساس، وتتكوّن من الأفكار المشتركة والهوية والقيم التي تنظم سلوك الوحدات.
مساهمات كينيث والتز
أدخل والتز مفهوم “بنية النظام الدولي” إلى الأدبيات الحديثة عبر كتابه نظرية السياسة الدولية (1979)، وميّز بين:
- مستويات التحليل (الفرد، الدولة، النظام)،
- الوحدات،
- البنية،
- والنظام ككل.
ورأى أن البنية تعمل بوصفها متغيرًا وسيطًا بين النظام ووحداته، وتؤثر في سلوك الدول بثلاث طرق:
- تشجيع بعض أنماط السلوك والسياسات،
- تقييد حرية عمل الوحدات،
- التأثير في العوامل الداخلية للدول بصورة غير مباشرة عبر فرص وضغوط النظام.
كما يميز والتز بين مراحل تطور البنية: التكوّن، الاستقرار، ثم الاندثار، ولكل مرحلة مستوى مختلف من حرية الحركة لدى الوحدات.
مساهمات أخرى حول البنية والقواعد
توسّع الباحثون في فهم البنية من خلال:
- دسلر: الذي يرى أن البنية هي مجموع القواعد والموارد.
- كوهن: الذي طوّر مفهوم قواعد اللعبة الدولية، باعتبارها لغة تنظيم التفاعلات بين الدول.
- هالستى: الذي صنّف القواعد إلى قواعد أساسية (السيادة، المساواة، عدم التدخل…) وقواعد أقل رسمية.
- ماكس فيبر: الذي رأى القواعد امتدادًا للمعايير الاجتماعية في المجال الدولي.
- مورغنتاو: الذي فرّق بين ثلاثة أنواع من القواعد: الأخلاق، العرف، القانون، وفقًا لطبيعة الإلزام.
وتؤدي هذه القواعد والهنجار دورًا مهمًا في ضبط سلوك الوحدات وتحديد نطاق إمكاناتها.
مساهمة ألكسندر ونت
يرى ونت في نظريته الاجتماعية أن البنية تتشكل من ثلاثة عناصر:
العوامل المادية – المصالح – الأفكار (الأنجاره).
ولا معنى للمصالح دون الأفكار التي تصوغها، ولا للمواد دون المصالح التي تضيف لها دلالة.
ويؤكد ونت أنّ فهم السياسة الدولية يجب أن يبدأ من الهوية والأفكار قبل القدرات العسكرية والمادية.
رابعًا: العملية (الفرایند)
لا معنى للنظام الدولي دون تفاعلات وحداته. وتتخذ هذه التفاعلات أشكالًا ومستويات مختلفة:
- أشكال التفاعل: رسمي حكومي (اقتصاد، دبلوماسية)، وغير حكومي (سياحة، تبادل ثقافي).
- مضامين التفاعل: صراعية، تعاونية، تنافسية، أو مزيج بينها.
- كثافة التفاعل: تفاعل مكثف أو محدود.
ويُعرّف الفرایند بأنه:
الأنماط التفاعلية بين الوحدات التي تمنح النظام ديناميته واستمراره.
خامسًا: القواعد
القواعد هي الأسس القيمية والمفاهيم التي تستند إليها العلاقات الدولية، وتشمل:
السيادة، الاستقلال، عدم التدخل، المساواة القانونية، حظر استخدام القوة، حق تقرير المصير…
وتمثل هذه القواعد الإطار الذي يضبط التفاعلات، ويتيح التمييز بين السلوك المشروع وغير المشروع.
