سودان تمورو:
في يناير/كانون الثاني 2024، كانت مليشيا الدعم السريع منتشية بانتصارات عسكرية سريعة وصلت إلى ذروتها آنذاك بالسيطرة على ولاية الجزيرة وسط السودان، لكن سرعان ما أعاد الجيش ترتيب صفوفه مستفيدًا من جملة أشياء أخرى بصمود قواته في بابنوسة بولاية غرب كردفان.
وعندما هاجمت المليشيا في مطلع العام السابق بابنوسة لم يكن الجيش قد نشر دفاعات متقدمة، لتصل سريعًا إلى تخوم الفرقة 22 مشاة واللواء 89 مشاة داخل المدينة التي هجر جميع سكانها خلال فترة وجيزة، لتحصد الدعم السريع هزيمة عسكرية من قوات محاصرة داخل مقارها دون إمدادات خارجية.
انسحبت المليشيا من بابنوسة مع الإبقاء على الحصار البري المفروض على المدينة من مواقع تمركزها في مدن أخرى مثل المجلد والفولة، لتعاود بعد عام ونصف العام، وتحديدًا في يونيو/حزيران 2025، الهجوم بعد شهر واحد من استيلائها على النهود لتجد هزيمة أخرى في انتظارها دفعتها إلى الانسحاب مرة أخرى.
تستفيد مليشيا الدعم السريع من الحصار على بابنوسة لخلق واقع ميداني يضع الوسطاء أمام تحديات كبيرة، إذ يصبح من الصعب الفصل بين الضغوط السياسية وبين التصعيد العسكري على الأرض، ما يزيد صعوبة تنفيذ أي هدنة حقيقية.
وتشهد بابنوسة هذه الأيام هجومًا جديدًا من المليشيا في ثالث محاولاتها للسيطرة عليها، حيث أتت هذه المرة بتعزيزات كبيرة مزودة بأسلحة متطورة ومدرعات إماراتية وطائرات مسيرة ومنظومة دفاع جوي صينية الصنع من طراز FK-2000، حيث أسقطت هذه المنظومة في 6 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي طائرة نقل أثناء إسقاط إمداد إلى الفرقة 22.
وتتألف الفرقة 22 من عدة ألوية مشاة رئيسية تتوزع مواقع انتشارها في مناطق غرب كردفان الكبرى، حيث يوجد اللواء 18 في النهود، واللواء 89 في بابنوسة، واللواء 90 في منطقة هجليج الغنية بالنفط على الحدود مع جنوب السودان، واللواء 91 في الفولة، واللواء 92 في الميرم، ويعد الأكبر على الإطلاق حيث تنتشر حامياته في الميرم والحلوف والقرنتي والمجلد.
موقع حيوي
تكاد الفرقة 22 تكون الوحيدة ضمن فرق الجيش الـ18 الموجودة في مدينة غير عاصمة الولاية، حيث إن حاضرة غرب كردفان هي الفولة، والفرقة 22 موجودة في بابنوسة، مما يوضح أهميتها الاستراتيجية في الربط بين شرق دارفور وشمال وجنوب كردفان.
وتقع بابنوسة على بُعد 700 كيلومتر من العاصمة الخرطوم و360 كيلومترًا من نيالا بجنوب دارفور و420 كيلومترًا من الفاشر بشمال دارفور، كما أنها أقرب المدن إلى الضعين في شرق دارفور.
وتضم رئاسة سكة حديد الإقليم الغربي، حيث بها أهم محطات تقاطع السكك الحديدية التي تصل إلى مدينة واو في جنوب السودان، إضافة إلى مصنع ألبان بابنوسة، مما جعلها مدينة اقتصادية وعمالية، حيث أثر النزاع على أنشطتها الاقتصادية والزراعية في القرى التابعة للمدينة.
وأعلن قائد الفرقة 22 اللواء معاوية حمد عبد الله أن قواته لن تفاوض أو تستسلم أو تنسحب من بابنوسة التي لا يوجد فيها أموال أو سيارات، وإنما “فيها فقط الموت لكل من يحاول الاقتراب منها، وسنقاتل حتى النصر”.
وأتى تصريح معاوية في أعقاب انهيار مبادرة أهلية من قبيلة المسيرية اقترحت تأمين انسحاب الجيش من بابنوسة وحقل هجليج النفطي دون أسلحة وعتاد حربي، على أن تتولى الدعم السريع قيادة الفرقة ونشر قوات شرطة موالية لها في المدينة.
يدرك قادة قبيلة المسيرية أن الجولة الحالية من القتال في بابنوسة قد تخرج من السيطرة، حيث إن جميع المقاتلين من الطرفين تقريبًا من العرقية ذاتها، وبعضهم أبناء عمومة وأحيانًا من الأسرة ذاتها، مما يلحق أضرارًا واسعة على المساحات الزراعية والرعوية وتدمير حقول النفط، فينتج عنه كارثة بيئية يصعب تلافي آثارها في ظل الوضع الحالي.
التكسب من الخلافات
لم يستطع قائد المليشيا محمد حمدان “حميدتي”، بعد فشل الهجوم الثاني على بابنوسة، إخفاء غضبه على صمودها حيث وصف قائد اللواء 89 وقائد ثاني الفرقة 22 حسن درمود بـ”المرتزق”، بينما أشاد بابن أخيه أحمد حماد درمود الذي يقاتل في صفوف الدعم السريع ورقّاه إلى رتبة ملازم أول.
وهذا التصريح، غضّ الطرف عن سذاجته والجدل الذي أثارته ترقية مقاتل يزين كتفه رتبة نقيب إلى رتبة ملازم أول، يوضح جانبًا من الصراع الأهلي في بابنوسة التي ينحدر معظم جنود الفرقة 22 من عرقية المسيرية التي يؤيد قادتها المليشيا ويقاتل في صفوفها بعض أبنائهم.
ولم يُخفِ النزاع في بابنوسة طابعه الأهلي منذ البداية عندما حذر قادة المسيرية، وهي أكبر الكيانات العشائرية في غرب كردفان من حيث عدد الأفراد والأكثر مشاركة في القتال إلى جانب المليشيا بعد الرزيقات، من الهجوم على الفرقة 22 خشية وقوع مجزرة داخل القبيلة وإحداث ما وصفوه بالفوضى الخلاقة.
وتوسطت القبلية مرة أخرى، كما ذكرنا أعلاه، في ظل تزايد الاستقطاب داخل المسيرية التي نشط أفرادها طوال فترة الحرب على تأمين مدن كبيرة مثل المجلد والفولة والميرم وصولًا إلى لقاوة لصالح الدعم السريع.
وعملت الدعم السريع، طوال فترة الحرب، على استغلال الخلافات العشائرية لضم أكبر قدر من المقاتلين إلى صفوفها دون استثناء المسيرية، حيث كانوا سابقًا يقاتلون في مناطق أخرى، والآن وصلت الحرب إلى مواجهة أبناء العمومة في ديارهم، مما ينذر بانشقاقات داخلية إضافية.
ولا يبدو أن المليشيا تكترث لهذا الاحتمال، حيث تواصل إرسال مزيد من التعزيزات العسكرية وتعتقل أفرادًا بينهم أطفال ونساء بذريعة انتماء ذويهم إلى الجيش، مما يؤكد أنها تسعى إلى تحويل الأوضاع في بابنوسة إلى صراع أهلي تستثمره لاحقًا لصالحها.
نزاع أبناء العمومة القادم
يرجح أن تطول معارك بابنوسة التي تدور في رقعة جغرافية صغيرة جدًا إلى أشهر، مع احتمال أكبر أن تنزلق المواجهات إلى ما هو أسوأ كلما طالت الاشتباكات التي يمكن اعتبارها من الآن تتجاوز الواقع العسكري إلى منافسة على النفوذ داخل الساحة القبلية نفسها.
إن تحول المواجهات في بابنوسة بين قوات نظامية تدافع عن وجود الدولة ومليشيا تسعى إلى التكسب من الفوضى إلى صراع بين مكونات أهلية يضع معظم مناطق ولاية غرب كردفان في وضع معقد سرعان ما يتحول إلى نزاع عشائري داخل قبيلة المسيرية التي تمثل قاعدة الدعم السريع في كردفان.
إن اختلاف الولاءات بين أفراد عرقية واحدة بين طرفين يتقاتلان في المنطقة ذاتها كفيل بإحداث توترات داخلية ستتطور إلى انشقاقات ومحاولات انتقام مدفوعة بثقافة الثأر المتجذرة داخل غرب السودان، مما يؤثر بشكل مباشر على مواقع سيطرة الدعم السريع في غرب كردفان.
ويؤكد إصرار الدعم السريع على استمرار مهاجمة الفرقة 22 التي تُعتبر آخر مظاهر الدولة في المنطقة، أن التداعيات الاجتماعية ستكون خطيرة وتضعف تماسك المليشيا وقد تُحدث تغييرات على خارطة النفوذ حال حدوث أي انشقاقات بالنظر إلى أن مقاتلي الدعم السريع ليسوا قوات نظامية وإنما مجموعات متفرقة، وكل مجموعة تدين بالولاء لقائدها.
ولا شك أن توظيف الولاءات القبلية وتقاطع المصالح الصغيرة يشكلان عاملًا إضافيًا لنشوب نزاع أهلي موسع داخل قاعدة المليشيا الاجتماعية في كردفان.
أخيرًا، ما يجري في بابنوسة لا يمكن اختزاله في معارك تنتهي بهزيمة أو انتصار أي طرف، حيث إن معناه الأكثر دقة هو اختبار العلاقات العشائرية داخل القبيلة نفسها، فيما ترجح جميع المؤشرات أن تؤدي إلى خلافات داخلية تقود لاحتمالات أشد استدامة وأكثر اتساعًا من الحرب الراهنة.
نون بوست
