سودان تمورو:
لم يكن يخطر ببالي، وأنا أكتب منذ سنوات مقالاتٍ أدعو فيها إلى قيام دولةٍ مدنيةٍ كاملةِ المعنى، شبه منزوعة السلاح، أن يأتي اليوم الذي تتحوّل فيه تلك الدعوة من اقتراحٍ فكري إلى ضرورةٍ تاريخية لا مفرّ منها. كنت أستشهد بتجارب أممٍ تخلّصت مبكراً من لعنة العسكرة، فبنت مجتمعاتٍ مستقرة لا يحكمها الرصاص، ولا تهددها الدبابات، ولا تتحكم في مصائرها طغمةٌ من الجنرالات المتعجرفين الذين لم يُخلقوا لحكم الناس، ولم يهتدوا يوماً إلى طريق الديمقراطية.
أتذكر جيداً شعارات شباب ثورة ديسمبر المجيدة حين كانوا يهتفون:
«معليش، معليش… ما عندنا جيش».
حينها — وللإنصاف — كنا نستهجن ذلك الهتاف، نراه اندفاعاً شبابياً وتهوراً عاطفياً ناتجاً عن مرارة اللحظة وغضبها. لكن الأيام أثبتت أن ذلك الهتاف كان أقرب إلى نبوءةٍ صادقة. لقد رأى أولئك الشباب ما لم نُرِد نحن أن نراه: أن السودان لا يملك جيشاً بالمعنى المؤسسي الذي تعرفه الدول، ولا بالوظيفة الوطنية التي تنهض بها الجيوش، بل يملك بنيةً مترهّلة متغوّلة، متخصّصة في قمع المواطنين وإعادة إنتاج الفشل، وعاجزة عن أداء واجبها الأول: حماية الوطن.
ومن أراد دليلاً، فلينظر إلى سلوك قادة المؤسسة العسكرية: البرهان، كباشي، ياسر العطا، ومن سار على نهجهم من ضباطٍ أُشربوا أوهام السلطة. تصرفاتهم، جهالاتهم، أكاذيبهم، تناقضاتهم، وانفصالهم التام عن هموم الشعب، كلها كشفت الحقيقة التي كنا نغضّ الطرف عنها:
هؤلاء ليسوا حماة وطن، بل حماة امتيازاتهم ومصالحهم الخاصة.
والتاريخ شاهد لا يكذب.
فالجيش السوداني حمل وصمة الدم منذ حرب الجنوب؛ حربٌ طويلةٌ كانت تجسيداً للفشل الإداري وانعدام الرؤية واستسهال التضحية بأرواح المدنيين. ثم كرّر مأساته في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، حيث رأى المواطن السوداني الجيش في أسوأ تجلياته: جيشاً يقاتل من أجل الكراسي لا من أجل الأرض، يرهب البسطاء باسم الوطنية، ويطلب منهم أن يرفعوا قسراً شعار:
«جيش واحد… شعب واحد»
بينما هو أبعد ما يكون عن الشعب، وأشدّ ما يكون عداءً له.
ولم تبلغ المأساة ذروتها الأخلاقية في مجرد إنشاء قوات الدعم السريع، بل في إنجاب المليشيا تلو المليشيا، حتى صار الجيش نفسه مصنعاً للفوضى ومولِّداً للموت.
أي جيشٍ هذا الذي يخلق نِدّاً مسلحاً له من رحمه؟ أي منطقٍ عسكريٍّ مريضٍ يظن أن الدولة يمكن أن تستقر بعديد الجيوش وتناسل البنادق؟
لقد كان الدعم السريع خلاصة منطقٍ عسكريٍ فاسدٍ اعتاد أن يلد كلّ «خديجٍ» ميليشيوي، جيشٌ يخلق الوحش ثم يتظاهر بمحاربته، يزرع الفوضى ثم يشكو من انعدام النظام.
والأدهى من ذلك أنّ ضباط هذا الجيش يتعالون على الشعب كأنهم يمنّون عليه بوجودهم، ويتحدثون عن الشرف والعقيدة والوطنية وهم أول من يفرّط فيها.
يتركون حدود الوطن مشرعةً للعدوان، ويهجرون مواقع الدفاع عن السيادة، لكنهم لا يتركون موارد البلاد ولا مفاصلها الاقتصادية.
يهرّبون الذهب، ويشعلون الحروب، ثم يخرج قائدهم — عبد الفتاح البرهان — ليخطب في الناس عن الكرامة والشرف، وهو أضعف من أن يحمي مجرد يمينه الذي أقسم به.
لهذا…
لن أتوقف عن الدعوة إلى قيام دولة مدنية يأتمر الجيش بأمر دستورها لا بأهوائه.
دولةٍ تُبنى على القانون لا على السلاح،
وعلى المؤسسات لا على المزاج العسكري،
وعلى احترام الشعب لا على إخافته.
فما جدوى السلاح إن لم يُشهر يوماً في وجه من يهدد الوطن حقاً؟
وما قيمة جيشٍ يخيف شعبه أكثر مما يخيف أعداءه؟
وما فائدة العقيدة العسكرية إذا كان حاملها يفرّ قبل أن يسمع صوت الرصاص؟
إن شعار «معليش، معليش… ما عندنا جيش» لم يكن ضعفاً ولا استخفافاً، بل بصيرةٌ مبكرة ورؤيةٌ صادقة.
أما أن يقود الجيشَ رجلٌ مثل البرهان، يكذب في وضح النهار ويبرر خيبته بالشعارات، فذلك كافٍ لإعلان نهاية الوهم الكبير:
نعم، لقد صدق الشعار أخيراً… نحن فعلاً ما عندنا جيش.
الراكوبة
