سودان تمورو:
ظلت الولايات المتحدة الأمريكية، منذ نهاية الحرب الباردة، تقدّم نفسها بوصفها الحارس العالمي للديمقراطية وحقوق الإنسان، وتمنح ذاتها سلطة أخلاقية وسياسية لتصنيف أنظمة الحكم في العالم بين “ديمقراطية” و“ديكتاتورية”، غير أن هذا الخطاب، عند إخضاعه للفحص النقدي، يكشف عن تناقضات بنيوية عميقة بين ما تعلنه واشنطن وما تمارسه فعليًا في سياساتها الخارجية. فالاتهامات التي توجّهها الولايات المتحدة لبعض خصومها بارتكاب جرائم إبادة جماعية أو القتل خارج نطاق القانون أو انتهاك الحريات الأساسية، كثيرًا ما تُستخدم كأدوات سياسية وإعلامية أكثر من كونها توصيفات قانونية محايدة، في حين تغض الطرف، أو تمارس ازدواجية صارخة، تجاه انتهاكات مماثلة يرتكبها حلفاؤها.
وعند إلقاء نظرة على قائمة القادة الذين تصفهم واشنطن بالديكتاتوريين، مثل بشار الأسد الرئيس السابق لسوريا، وفلاديمير بوتين في روسيا، وكيم جونغ أون في كوريا الشمالية، ونيكولاس مادورو في فنزويلا، يتضح أن كثيرًا من هذه الأنظمة بالفعل سلطوية، وأن قطاعات واسعة من شعوبها تعاني من غياب الحريات السياسية أو تراجعها. غير أن السؤال الجوهري لا يتمثل في توصيف هذه الأنظمة بقدر ما يكمن في دوافع الولايات المتحدة لمحاربتها وتسخير آلتها الإعلامية والدبلوماسية لتجريمها وعزلها دوليًا. فهل تفعل ذلك دفاعًا عن إرادة الشعوب وحقها في الديمقراطية، أم أن الديمقراطية ليست سوى غطاء أيديولوجي لمصالح استراتيجية واقتصادية أوسع؟
تشير التجربة التاريخية إلى أن الولايات المتحدة كانت، في حالات عديدة، أكبر داعم لأنظمة استبدادية عندما اقتضت مصالحها ذلك. فقد دعمت انقلابات عسكرية أطاحت بحكومات منتخبة ديمقراطيًا في أمريكا اللاتينية، وأسهمت في إجهاض تجارب ديمقراطية ناشئة في إفريقيا وآسيا، وساندت أنظمة قمعية طالما أنها تدور في فلكها السياسي والأمني. وبذلك، يصبح معيار القبول أو الرفض الأمريكي لأي نظام حكم غير مرتبط بطبيعته الديمقراطية أو بمدى رضى شعبه عنه، وإنما بمدى انسجامه مع المصالح الأمريكية وقدرته على الاندماج في النظام الدولي الذي تقوده واشنطن.
في هذا السياق تبرز الحالة الفنزويلية مثالًا صارخًا على توظيف خطاب “مناهضة الديكتاتورية” كوسيلة لصرف الأنظار عن جوهر الصراع. فالنقاش الدائر حول “سقوط ديكتاتور” مثل نيكولاس مادورو لا يعكس بالضرورة جوهر القضية، لأن المسألة لا تتعلق بشخص مادورو بقدر ما تتعلق بموقع فنزويلا في معادلة الصراع الدولي على الموارد والنفوذ. فالاهتمام الأمريكي المكثف بفنزويلا لا يمكن فصله عن امتلاكها أحد أكبر احتياطات النفط في العالم، فضلًا عن ثرواتها المعدنية الهائلة، وهو أمر ظل محورًا معلنًا في الخطاب السياسي الأمريكي، بل وأشار إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صراحة في أكثر من مناسبة.
ومن هذا المنظور فإن أي عمل عسكري أو أمني يستهدف قيادة دولة ذات سيادة، خارج إطار الشرعية الدولية، لا يمكن تبريره أخلاقيًا أو قانونيًا تحت ذريعة “مكافحة الديكتاتورية”. فالقانون الدولي واضح في تجريم الاعتداء على سيادة الدول المستقلة، ويعدّ أي عملية من هذا النوع انتهاكًا لميثاق الأمم المتحدة، وعملًا يمكن توصيفه، وفق التعريفات القانونية، بوصفه شكلًا من أشكال الإرهاب الدولي أو العدوان السياسي. كما أن اختزال المسألة في شخص مادورو، والتركيز على طبيعته السلطوية، لا يعدو كونه محاولة للهروب من مواجهة الحقيقة الأساسية، وهي أن الصراع في جوهره صراع مصالح وثروات، لا صراع قيم ومبادئ.
إن الإصرار على تقديم الولايات المتحدة كقوة أخلاقية محايدة، في مقابل تصوير خصومها على أنهم “أشرار مطلقون”، يساهم في تبسيط مخلّ للواقع الدولي، ويغفل عن حقيقة أن النظام العالمي المعاصر تحكمه علاقات قوة غير متكافئة، تستخدم فيها الديمقراطية وحقوق الإنسان كأدوات ضغط وانتقاء سياسي. ومن هنا، فإن النقد الحقيقي لا ينبغي أن ينصبّ فقط على ديكتاتورية هذا القائد أو ذاك، بل على البنية الدولية التي تسمح بتسييس القيم الإنسانية وتحويلها إلى ذرائع للتدخل والهيمنة، بعيدًا عن إرادة الشعوب وحقها الأصيل في تقرير مصيرها دون وصاية خارجية.
