سودان تمورو
أثارت مهام قمر صناعي مصري أُطلق مؤخراً بالتعاون مع الصين اهتماماً وقلقاً دولياً، بسبب الغموض المحيط بأدواره الحقيقية. فبين الرواية الرسمية المصرية التي تصفه كمشروع مخصص لأبحاث الغلاف الأيوني، والتقارير الأمريكية التي تعتبره خطوة نحو عسكرة السماء فوق نهر النيل، يبرز جدل حول طبيعة هذا القمر الصناعي المعروف باسم “إس بي نكس” SPNEX.معدات عسكرية
أُطلق القمر الصناعي في الأيام الماضية ضمن شراكة مصرية صينية، واحتفت به السلطات المصرية بوصفه إنجازاً للهندسة المحلية ومشروعاً علمياً لرصد الظواهر في الغلاف الأيوني. ورغم تأكيد وكالة الفضاء المصرية أن “إس بي نكس” مخصص لمتابعة تغير المناخ وطقس الفضاء، خصوصاً في الطبقات العليا من الغلاف الجوي، إلا أن المواصفات التقنية تشير إلى قدرات قد تتجاوز الأغراض البحثية.
وفقاً لتقارير موقع “ميدل إيست فوروم”، يحمل القمر أدوات تشخيص بلازمية ورادارات ما وراء الأفق، ما يمنحه القدرة على رصد الصواريخ بعيدة المدى وتأمين الاتصالات خارج نطاق خط الرؤية، بحسب خبراء مختصين. كما يزود القمر بمستشعرات بصرية بدقة تصل إلى 10 أمتار، ما يتيح للقاهرة متابعة تحركات الحشود العسكرية واسعة النطاق في الصحراء الليبية أو مراقبة سير الأعمال في سد النهضة. هذه الإمكانيات المحتملة للتطبيقات العسكرية للقمر الصناعي تثير القلق في واشنطن، خصوصاً مع اعتماد القاهرة على صاروخ صيني في عملية الإطلاق واستخدام منشآت تجميع صينية في مراحل سابقة من البرنامج، ما يعزز ما يُعرف بالارتباط التكنولوجي مع بكين.
وفي هذا السياق، صرح خبراء بأن مصر تسير بخطى متسارعة في مجال الفضاء وعلومه، وتركز على توطين التكنولوجيا ونقلها إلى مراكز الدراسات والجامعات المصرية منذ عام 2018. وأوضحوا أن القمر الجديد، الذي أُطلق في منتصف ديسمبر الماضي، يعد صغير الحجم ويعمل في الغلاف الأيوني، حيث تتميز هذه الطبقات العليا بوجود غازات تتحول إلى أيونات بفعل الإشعاع الشمسي، ما يوفر بيئة خصبة للموجات الكهرومغناطيسية، بما فيها أنظمة الاتصال وأجهزة GPS والملاحة والرادارات.
وأكد الخبراء أن القمر يدرس ظاهرة البلازما في هذه الطبقة، وهو ما قد يفسر المخاوف الأمريكية من إمكانياته المحتملة في الأغراض الاستخباراتية والعسكرية، مثل متابعة الصواريخ فائقة الصوت أو رصد الحشود العسكرية من مسافات بعيدة. كما أشاروا إلى أن مصر تمتلك القدرة على إشراف استخباراتي دقيق على مناطق استراتيجية مثل الصحراء الليبية وسد النهضة، دون الإفصاح عن تفاصيل هذه القدرات بسبب طبيعتها السرية.
فيما يخص التعاون مع الصين، فإن العلاقة مع بكين تنطوي على بعدين متوازيين؛ إذ تتيح لمصر الوصول إلى التكنولوجيا دون إرفاقها بشروط أو ضغوط سياسية، على عكس المقاربة الغربية التي غالباً ما تربط نقل التكنولوجيا باعتبارات تتعلق بالسياسات الإقليمية وملفات حقوق الإنسان. وفي المقابل، تحرص القاهرة على عدم الارتهان لشريك واحد، وتتبنى نهجاً يقوم على تنويع الشراكات ودمج التكنولوجيا الصينية مع نظيراتها الغربية، وهو ما يمنحها هامش استقلال أوسع. ويبرز هذا النهج في قدرة مصر على الجمع داخل منظومتها العسكرية بين معدات وتسليح من مصادر روسية وصينية وغربية، في تجربة نادرة على مستوى المنطقة، بل وحتى مقارنة ببعض دول حلف شمال الأطلسي.
«SPNEX
أطلقت مصر قمرها الصناعي «SPNEX» يوم الأربعاء 10 ديسمبر 2025 على متن الصاروخ الصيني الحامل «ليجيان-1 واي11» (Lijian-1 Y11)، في خطوة تعزز محفظة البلاد المتنامية من الأصول الفضائية وتؤكد التقدم المتواصل نحو الاعتماد الذاتي في تطوير الأقمار الصناعية. الصاروخ، الذي تصنعه شركة CAS Space الصينية، حمل تسع حمولات فضائية دفعة واحدة، ونجح في نشرها جميعاً في مداراتها المحددة. ويُعد «SPNEX» ثاني قمر صناعي تطوره مصر محلياً خلال السنوات الأخيرة، في إطار سعيها لبناء قدرات فضائية وطنية مستقلة.
وأكدت وكالة الفضاء المصرية نجاح عملية نشر القمر في مداره المخصص وبدء استقبال الإشارات الأولى منه، إيذاناً بدخول القمر مرحلة التشغيل الفعلي. ويمثل ذلك محطة مهمة في برنامج الفضاء المصري الذي يركز على امتلاك القدرة الكاملة على تصميم الأقمار الصناعية وتجميعها واختبارها وتشغيلها محلياً.
يحمل القمر «SPNEX» حزمتي أجهزة رئيسيتين، الأولى مخصصة لتشخيص البلازما ودراسة الغلاف الأيوني للأرض، والثانية نظام رصد أرضي بدقة تصوير بانكروماتية تصل إلى عشرة أمتار. وتمتد مهمة القمر لعامين، يركز خلالهما على مراقبة تأثيرات التغير المناخي ودراسة التغيرات في الغلاف الأيوني، وهما مجالان تسعى مصر إلى بناء قاعدة بيانات مستقلة لهما دون الاعتماد على مصادر أجنبية. وكان من المقرر إطلاق القمر في النصف الأول من عام 2025، قبل أن يُقدَّم موعد الإطلاق بعد حل بعض المشكلات الفنية.
جاء تطوير «SPNEX» ثمرة تعاون بين وكالة الفضاء المصرية وأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، حيث جرى تصميمه وتجميعه واختباره داخل منشأة التجميع والتكامل والاختبار التابعة لمصر، فيما تولت الأكاديمية تمويل المشروع. ويعكس ذلك تقدماً عملياً جديداً في مسار توطين تكنولوجيا الأقمار الصناعية، وتقليص الاعتماد على المتعاقدين الأجانب في الوظائف الأساسية.
ويمثل «SPNEX» القمر الصناعي الخامس عشر الذي تطلقه مصر، والرقم 66 على مستوى القارة الأفريقية، رغم أن النشاط الفضائي في أفريقيا لا يزال يتركز في عدد محدود من الدول. وتستحوذ مصر والمغرب وجنوب أفريقيا والجزائر ونيجيريا على النصيب الأكبر من الأقمار الأفريقية العاملة حالياً في المدار، ما يضع القاهرة في موقع متقدم ضمن سباق الفضاء الإقليمي.
