سودان تمورو
في المسرح الاستراتيجي المعقّد للشرق الأوسط، حيث كانت القواعد تُكتب غالباً بدماء المستضعفين وألاعيب القوى العظمى، يبدو أن لحظة مفصلية تشقّ طريقها إلى الواجهة. ليست هذه المرة ضجة صواريخ ولا هدير طائرات، بل هي صمتٌ ناطق، ورسائل ملغّمة بالقلق تنتقل عبر موسكو، وتصريحات من واشنطن تشبه صرخات تحذيرية أكثر منها تهديدات. إن المشهد الذي نعيشه اليوم، مع تحذير الجنرال الإيراني يحيى صفوي الواضح والصريح بأن إيران “في حالة حرب” وتستعد لـ”نهاية الصراع” مع إسرائيل، يقابله على الطرف الآخر حركة إسرائيلية استباقية للتهدئة وطلبها من موسكو طمأنة طهران، وتصريح غريب من دونالد ترامب يحذّر إيران من “اغتياله”. هذه التركيبة ليست عشوائية، إنها علامات دالة على تحوّل عميق في موازين القوى والرهانات.
لعقود استندت العقيدة العسكرية الإيرانية إلى مفهوم “الردع المتناظر” و”النفس الطويل والصبر الاستراتيجي”. كانت فلسفتها واضحة للخصم والصديق على حد سواء: نحن لا نبدأ بالعدوان، ولكن من يمدّ يده إلينا سيجد يداً من حديد تردّ بقوة تتناسب مع مستوى العدوان. هذا النهج، رغم كلفته، حقق توازناً مرعباً جعل أي تفكير في المواجهة الشاملة مع إيران مغامرة مجنونة الثمن. اليوم يبدو أن هذا التوازن يتزحزح، ليس نحو الضعف، بل نحو إعادة تعريف شاملة. البيان الأخير ليس مجرد خطاب إعلامي، إنه إعلان استراتيجي عن انتهاء صلاحية نموذج “اللا حرب ولا سلم” الذي سعت القوى المعادية لفرضه كقفص حديدي يخنق الإرادة ويستنزف المقدرات.
ما الذي تغيّر حقاً؟ المؤشرات تشير إلى تحوّل مزدوج. من جهة، يبدو أن الصبر الاستراتيجي الإيراني قد اقترب من حدود جديدة، مدفوعاً بتراكم الخبرات والتطوّر الكمي والنوعي في ترسانة الردع، والتي لم تعد تقتصر على الصواريخ الباليستية فحسب، بل امتدّت إلى منظومات متطورة من الطائرات المسيرة والأسلحة الدقيقة والتقنيات الإلكترونية التي تزيد من كلفة العدوان وتقلص مساحات الأمان للعدو. ومن جهة أخرى، يبدو أن المحور المعادي، وعلى رأسه تل أبيب وواشنطن، يقرأ هذه التحوّلات بعين القلق. التسريبات التي تتحدث عن قدرة النظام الدفاعي الإسرائيلي على التعامل مع 700 صاروخ فقط، في مقابل ترسانة إيرانية تضاعف هذا الرقم عدة مرات، ليست مجرد أرقام، بل هي معادلة رعب جديدة. عندما تطلب إسرائيل من بوتين أن يكون وسيطاً لتوضيح نواياها لطهران، فهي تعترف ضمناً بأن أي سوء فهم قد يدفع الثمن إلى مستوى وجودي. وعندما يصرخ ترامب محذراً من “اغتياله”، فهو يمارس إرهاباً نفسياً مألوفاً، ولكنه هذه المرة قد يكون نابعاً من إحساس حقيقي بضعف الدرع التقليدي للردع الغربي.
هذه الديناميكية الجديدة تقلب الطاولة على أساليب المواجهة التقليدية. فالنهج الأمريكي-الإسرائيلي المعتاد يقوم على أحد سيناريوهين: إما ضربة مباغتة وسريعة كما في حرب الـ12 يوماً، تحسم الموقف قبل أن تتشكل أي ردود فعل، وإما الإنتظار حتى يصل الخصم إلى حالة من “الموت السريري” الاستراتيجي، ثم إطلاق “رصاصة الرحمة”. اليوم، يجد هذا المحور نفسه أمام واقع مختلف: الخصم ليس في حالة موت سريري، بل في أوج يقظته واستعداده. إنه يقف في حالة تأهب قصوى، وقد يكون هو نفسه قد سئم انتظار “الهجوم” هذا، وبدأ يفكر في قلب الطاولة وإملاء شروطه.
في إيران أصبح هناك جدار من الوعي الجماهيري الذي تعلم من دروس غزة واليمن ولبنان، وبات يدرك أن اللغة الوحيدة التي يفهمها المحور المعادي هي لغة القوة والثبات. الرسالة الجديدة التي تبعث بها طهران واضحة: لقد انتهى زمن التفاعل فقط، وبدأ زمن الاستباق. نحن في حالة حرب دائمة حتى يقرر العدو التراجع عن عدوانه. وهي رسالة تضع العالم أمام خيارين: إما الاعتراف بهذا التحول الاستراتيجي والعمل على تفادي حرب شاملة ستكون كلفتها إقليمياً وعالمياً باهظة، وإما الدخول في مغامرة لا يعلم أحد نهايتها إلا من يعلم السر في غيب السماوات والأرض. الصمت الذي يسبق العاصفة قد يكون هو الأعلى صوتاً اليوم.
