سودان تمورو
المشهد الذي شهده العالم بين واشنطن وأوتاوا لم يكن خلافاً دبلوماسياً عابراً، بل كان عرضاً علنياً لتشريح جديد لجسد العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين. إنه مشهد يكشف، بقسوة لا تخطئها العين، أن الغطرسة ليست مجرد خطاب عابر، بل هي سياسة مؤسسية. حين يعلن وزير خزانة القوة العظمى أن على دولة مثل كندا، شريكة في التاريخ والحلف والقارة، أن “تشكر” بدلاً من أن “تنتقد”، فإنه لا يهين رئيس وزراء فحسب، بل ينقش على جدار النظام العالمي قاعدة جديدة بدم بارد: الولاء مطلق، والطاعة عمياء، وأي صوت مستقل هو جريمة تستدعي العقاب الفوري. إنه إعلان نهاية عصر الشراكة الوهمية، وبداية عصر التبعية الصريحة.
لم تكن مقارنة اقتصاد دولة متقدمة باقتصاد ولاية أمريكية مجرد استهانة رقمية، بل كانت رسالة مبطّنة بقانون الغاب الجديد: أنتم، أيها الحلفاء، لستم أكثر من مقاطعات في إمبراطوريتنا الاقتصادية. وصمت أوروبا المصاحب لهذه الإهانة كان أبلغ من أي بيان، فهو تصويت عملي بالرجلين على انهيار أسطورة “المجتمع الغربي الديمقراطي” المتساوي. لقد فضح المشهد عمق الانقسام داخل ما يسمى بالعالم الحر، حيث تتحول العلاقات من إطار استراتيجي إلى سلسلة أوامر وعقوبات. سحب الدعوة من مجلس غزة لم يكن سوى الضربة التالية في سلسلة العقاب، مؤكدا أن حتى القضايا الإنسانية الملتهبة ليست سوى عملة تفاوضية في سوق الولاءات، وأن الحقوق الفلسطينية يمكن أن تُسحق مرة أخرى تحت عجلات السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية.
هذه الحادثة تفتح نافذة قاتمة على مستقبل النظام الدولي. إنها تُظهر أن مفهوم السيادة الوطنية أصبح أثراً بالياً أمام إرادة القطب الأوحد، الذي لم يعد يرى في الحلفاء شركاء بل جنوداً في جيشه الاقتصادي. الخطر لا يكمن فقط في إذلال دولة، بل في تحويل هذا النموذج إلى سابقة تُطبق على كل من يجرؤ على الوقوف في وجه السياسات الأحادية. إنه إعلان أن منطق القوة قد عاد بقوة ليحل محل الدبلوماسية، وأن الحوار قد استُبدل بخطاب التهديد. في هذا السياق، يصبح صمت الدول الأخرى، خاصة الأوروبية، مشاركة في الجريمة، بل وتكريساً لثقافة الخضوع التي ستطال الجميع عاجلاً أم آجلاً.
العالم يقف عند منعطف خطير. إما أن يقبل حلفاء أمريكا، الكبار والصغار، بأن يصبحوا مجرد كويكبات تدور في فلك القوة العظمى، متخلين طواعية عن سيادتهم وكرامتهم، وإما أن يبدأوا، ولو متأخرين، في إعادة تعريف تحالفاتهم بناءً على مبادئ الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة الحقيقية، لا على ثقافة الأمر والنهي. التاريخ لن يسجل هذه اللحظة كخلاف ثنائي، بل سيسجلها كيوم بدأت فيه عباءة الشراكة الغربية بالتمزق من داخلها، وكشفت عن هيكل علاقات قائم على الهيمنة الخالصة. السؤال الذي يلوح في الأفق الآن: من سيكون التالي في قائمة من يجب أن “يشكروا” بدلاً من أن “يتكلموا”؟ الجواب قد يحدد مصير ما تبقى من نظام عالمي.
