الإثنين, مايو 25, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيماذا يقول خطاب كارني عن مأزق النظام الدولي؟.. بقلم أحمد حسن

ماذا يقول خطاب كارني عن مأزق النظام الدولي؟.. بقلم أحمد حسن

سودان تمورو:

في لحظة نادرة داخل فضاء النخب الغربية، استدعى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في خطابه بدافوس استعارة فاكلاف هافل الشهيرة عن «إزالة اللافتة»، تلك التي صاغها المفكر التشيكي لوصف فعل التمرد الأخلاقي على «العيش داخل الكذبة». لم يكن الاستدعاء عابراً ولا تجميلياً، بل بدا كأنه محاولة جريئة لتشريح النظام الدولي من داخله، والاعتراف بما ظل لعقود مسكوتاً عنه: أن ما سُمّي «نظاماً قائماً على القواعد» لم يكن في جوهره سوى نظام تحكمه مصالح القوى المهيمنة، تُفعَّل قواعده انتقائياً وتُعطَّل متى تعارضت مع مصالح الأقوياء. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كان الخطاب شجاعاً في اعترافه، بل ما إذا كان هذا الاعتراف يمثل بداية تفكيك حقيقي للهيمنة، أم مجرد إعادة ترتيب لأدواتها بلغة أكثر صراحة.

تكمن قوة خطاب كارني في كسره لجدار الإنكار الغربي التقليدي. فهو، من موقعه داخل المؤسسة، يقرّ بأن الغرب لم يطبّق القواعد التي بشّر بها على الجميع، وأنه احتفظ لنفسه بحق الاستثناء. هذا الإقرار بحد ذاته لحظة سياسية وفكرية لافتة، لأنه ينقل الخطاب الغربي من مرحلة الإنكار الأخلاقي إلى مرحلة الاعتراف الواقعي. لكن هذه اللحظة تتوقف سريعاً عند حدود التبرير؛ فبدلاً من أن يتحول الاعتراف إلى مدخل لمراجعة جذرية، يُعاد تأطيره بوصفه معضلة إدارية يمكن احتواؤها عبر تحسين إدارة المخاطر لا عبر تغيير منطق النظام.

هنا تظهر المفارقة الأكثر عمقاً في الخطاب. فاستعارة هافل، التي كانت في أصلها دعوة إلى ثورة أخلاقية قائمة على «العيش في الحقيقة» ومواجهة النظام الزائف، تُفرَّغ من بعدها التحرري وتُعاد صياغتها بلغة براغماتية باردة. «إزالة اللافتة» لم تعد تعني رفض الكذبة والانفصال عنها، بل أصبحت فعلاً حسابياً هدفه تقليل الكلفة وتعظيم الفائدة. الانتقال السلس في الخطاب من لغة القيم والمبادئ إلى لغة «الاستقلالية الاستراتيجية» و«تقليل التعرض للابتزاز» يكشف أن الدافع الحقيقي ليس أخلاقياً بقدر ما هو اقتصادي-أمني. اللافتة لا تُزال لأنها كذبة، بل لأن الإبقاء عليها لم يعد مجدياً.

ويبلغ الالتباس ذروته حين يطرح كارني ما يسميه «الواقعية القائمة على القيم». في الظاهر، يبدو المفهوم محاولة للتوفيق بين الأخلاق والقوة، لكنه في العمق يقلب العلاقة بينهما. فالقيم، وفق هذا التصور، لا تكون فاعلة إلا إذا استندت إلى قوة قادرة على فرضها. العبارة المفتاحية في الخطاب – «لم نعد نعتمد فقط على قوة قيمنا، بل أيضاً على قيمة قوتنا» – تختزل هذا التحول بوضوح فادح. فالقيم لم تعد مرجعية تعلو على المصالح، بل أداة تُستخدم حين تخدمها القوة وتُهمَل حين تعيقها. وهنا يعود السؤال الذي يتجاهله الخطاب عمداً: ماذا يحدث عندما تتعارض القيم مع المصالح؟ الصمت عن هذا السؤال يحوّل الاعتراف بالانتقائية إلى اعتراف شكلي، لا يفضي إلى تصحيح حقيقي ولا إلى مساءلة جدية.

أما دعوة كارني لما يسميه «المسار الثالث» الذي يفترض أن تسلكه القوى المتوسطة، فتبدو بدورها أسيرة المنطق نفسه. فهذا المسار لا يخرج فعلياً عن الفضاء الاستراتيجي الغربي، بل يسعى إلى إعادة تنظيمه عبر تحالفات أكثر تماسكا وتنسيقاً. لا يتعلق الأمر بتحدي قواعد النظام أو إعادة تعريفها، بل بتحسين شروط التفاوض داخله. القوى المتوسطة مدعوة لأن تكون شريكاً أكثر فاعلية في إدارة النظام القائم، لا فاعلاً مستقلاً في إعادة بنائه على أسس جديدة.

وإذا كان ما قاله كارني لافتاً، فإن ما لم يقله لا يقل أهمية. فخطابه، على جرأته، يلتزم صمتاً كاملاً إزاء سؤال العدالة التاريخية. النظام الدولي الذي ينتقد انتقائيته لم ينشأ في فراغ، بل هو نتاج تاريخ استعماري طويل قام على الإقصاء والنهب وتكريس اللامساواة. الاعتراف بازدواجية المعايير دون الاعتراف بجذورها التاريخية يجعل النقد سطحياً ويحدّ من أفق الإصلاح. كيف يمكن الحديث عن نظام أكثر عدلاً من دون مساءلة الأسس التي قام عليها، ومن دون الاعتراف بأن اختلالاته ليست طارئة بل بنيوية؟

في المحصلة، يشكل خطاب كارني علامة فارقة في الخطاب الغربي الرسمي. لقد كسر محرمات، ووضع النخبة الحاكمة أمام مرآة لم تكن راغبة في النظر إليها. لكنه توقف عند عتبة الاعتراف، ولم يجرؤ على عبور بوابة الإصلاح الجذري. الإقرار بالمرض خطوة ضرورية، لكن العلاج الذي طُرح لا يتجاوز كونه مسكناً يهدف إلى إطالة عمر النظام لا إلى شفائه.

يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن إصلاح نظام دولي مختل بأدواته ومنطقه نفسيهما؟ أم أن التصحيح الحقيقي يتطلب ثورة في هذا المنطق، بحيث تصبح القيم معياراً أعلى من المصالح، والعدالة أساساً يسبق القوة لا نتيجة لها؟ خطاب كارني أجاب عن السؤال الأول بصدق غير مسبوق، لكنه تجاهل الثاني بصمت دال. وبين الاعتراف والإصلاح، تبقى المسافة هي نفسها بين إزالة اللافتة، وهدم البناء الفاسد الذي كانت تخفيه.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات