الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةثقافةملفاتالصفات الإلهية

الصفات الإلهية

سودان تمورو:

الصفات الإلهية هي ما يُثبت لله تعالى من كمال وجودي مطلق، وما يُنفى عنه من كل نقص أو حدّ. فكل كمال حقيقي غير محدود ثابت له بالضرورة، وكل نقص أو احتياج أو تحديد ممتنع عليه ذاتًا. وتنقسم الصفات إلى ثبوتية وسلبية؛ فالثبوتية هي صفات الكمال كالعلم والقدرة والحياة والإرادة والكلام، وهي كمالات لا يستلزم ثبوتها تركيبًا ولا تعددًا. أما الصفات السلبية فهي صفات التنزيه التي يُراد بها نفي النقائص، كالجسمية والحدود والجهة، وسُمّيت سلبية لأن التعبير عنها يكون بصيغة النفي.

كما يُميّز بين صفات الذات، وهي الثابتة له دائمًا ولا تتوقف على وجود المخلوق، وصفات الفعل، وهي المنتزعة من مقام الفعل الإلهي والمتعلقة بالمخلوقات، كالخلق والرزق والهداية. وهذه الأخيرة ليست صفات زائدة في الذات، بل اعتبارات عقلية ناتجة عن نسبة الفعل إلى الخلق.

وتُعرف صفات الله بثلاثة طرق متكاملة: طريق العقل، وهو الأساس، إذ يدرك أن واجب الوجود كمال محض يستحيل أن يتصف بنقص؛ وطريق النقل، الذي يأتي مؤيدًا ومُفسَّرًا في ضوء القواعد العقلية، فلا يُقبل منه ما يؤدي إلى التشبيه أو التجسيم؛ وطريق الأثر، وهو الاستدلال بإحكام الصنعة على صفات الصانع.

ومن الصفات الثبوتية الأساسية علمه تعالى، وهو علم محيط بالكليات والجزئيات، بما كان وما يكون، وهو عين ذاته، غير مكتسب ولا متجدد. وقدرته تعالى متعلقة بكل ممكن الوجود، أما المستحيل فليس متعلقًا بالقدرة لأنه ليس شيئًا. وحياته هي مبدأ العلم والقدرة، وهي أزلية غير جسمانية. أما إرادته فهي تعيين الفعل على وفق الحكمة، لا انفعالًا ولا ترددًا، وتُعد من صفات الفعل. وكلامه فعل من أفعاله، حادث من حيث اللفظ، قديم من حيث المعنى، ويتجلى في الوحي والقرآن، دون أن يكون صوتًا أو حروفًا أزلية قائمة بالذات.

أما الصفات الخبرية الواردة في النصوص، كاليَد والوجه والاستواء، فيجب حملها على المعنى اللائق بالله أو على المجاز، ويُمنع حملها على الظاهر الحسي، صونًا للتنزيه.

ومن لوازم التنزيه القول باستحالة الرؤية البصرية لله تعالى، لأن الرؤية الحسية تستلزم جهة ومقابلة وجسمًا، والله منزه عن ذلك كله. غير أن المعرفة القلبية والعقلية ممكنة، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿لا تُدركه الأبصار﴾، أي لا تُحيط به رؤية حسية.

العدل والحكمة

العدل الإلهي هو تنزيه الله عن فعل القبيح، وعن الإضرار بلا استحقاق، وعن الإخلال بما تقتضيه الحكمة. والظلم نقص، والنقص علامة الإمكان، وواجب الوجود كمال محض، فيستحيل أن يكون ظالمًا. والحكمة هي صدور الفعل عن علم وإتقان، مع اشتماله على غاية صحيحة، دون عبث. ونفي الغاية عن أفعال الله يؤدي إلى القول بالعبث، وهو قبيح عقلًا.

ومن هنا يُقر العقل بالحسن والقبح إدراكًا ذاتيًا، فيدرك حسن العدل وقبح الظلم قبل ورود الشرع، ويكون الشرع كاشفًا لا منشئًا. كما أن تعليل أفعال الله بالغايات لا يعني حاجته، لأن الغاية تعود إلى المخلوق لا إلى ذات الله، ففعله فيض صادر عن الكمال لا عن النقص.

أما الشرور والمصائب فلا تناقض العدل والحكمة، لأن الشر ليس وجودًا مستقلًا بل نقص أو عدم، وكثير منه نسبي، وبعضه وسيلة لخير أعظم، وبعضه نتيجة لاختيار الإنسان. وبذلك يظهر أن النظام الكوني، بما فيه من آلام، يكشف عن حكمة أعمق لا عن عبث.

ويستحيل عقلًا التكليف بما لا يُطاق، لأن القدرة شرط في صحة التكليف، والله لا يطلب المستحيل ولا يعاقب عليه. ومن مقتضيات العدل والحكمة أيضًا ما يُسمّى باللطف، وهو كل ما يقرّب الإنسان من الطاعة ويبعده عن المعصية دون سلب للاختيار، كإرسال الرسل وتشريع القوانين.

وفي مسألة الجبر والتفويض، يرفض العقل كلا الطرفين، لأن الجبر ينفي العدل والمسؤولية، والتفويض ينفي التوحيد الأفعالي، ويثبت الموقف الوسط الذي يحفظ الأمرين معًا: فالله خالق القدرة، والإنسان مختار في الفعل، ويُنسب الفعل إلى الله خلقًا وإلى الإنسان كسبًا حقيقيًا.

أما القضاء والقدر فهما داخلان في علم الله وتدبيره، ولا ينافيان حرية الإنسان، كما أن مفهوم البداء لا يعني تغيّر علم الله، بل ظهور ما كان خافيًا على الخلق.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات