الثلاثاء, أبريل 21, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالحربُ النّاعمةُ على الرّوحانيّةِ الرّمضانيّةِ: حينَ يتحوَّلُ الشَّهرُ المباركُ إلى موسمٍ استهلاكيٍّ...

الحربُ النّاعمةُ على الرّوحانيّةِ الرّمضانيّةِ: حينَ يتحوَّلُ الشَّهرُ المباركُ إلى موسمٍ استهلاكيٍّ ✍🏻 محمّدُ الزّاكي

سودان تمورو

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

إنّ النفسَ الإنسانيّةَ لا تُشفى بالماديات، ولا تستقيمُ بالانغماسِ في الاستهلاك، بل تحتاجُ إلى ما يُجلّي روحَها ويُنعشُ باطنَها ويُعيدُ ترتيبَ علاقتها باللهِ تعالى. ولأجلِ هذا، جعلَ اللهُ سبحانهُ -خالِقُها العليمُ بما يُصلِحُها ويُفسِدُها- شهرَ رمضانَ موسماً فريداً لعودةِ الإنسانِ إلى ذاته، وانفتاحِه على عوالمِ المعنى من الدّعاءِ والمناجاةِ والصلاةِ وقراءةِ القرآنِ وتدارسِه، وتحصينِ العقلِ والروحِ أمامَ السيلِ المادّيِّ الجارفِ الذي يحجبُ القلبَ عن نورِه.*
*الفكرُ الإسلاميُّ الأصيلُ، يُقدِّمُ رمضانَ بوَصفِه شهرَ التزكيةِ الكبرى، وفرصةَ ترميمِ التشوّهاتِ الروحيّةِ التي تتراكمُ على مدارِ العام؛ فهو شهرٌ تُضاعَفُ فيه الحسناتُ حتى جُعِلَت الأنفاسُ فيه تسبيحاً، والنومُ فيه عبادةً، وتُصفَّدُ فيه الشياطينُ رحمةً بالعبادِ ليكونوا أقربَ إلى الطاعةِ والإنابةِ والتخفّفِ من أوزارِ الذنوبِ التي أثقلت ظهورَهم. إنّه شهرُ العودةِ إلى اللهِ، شهرُ الرحمةِ والمغفرةِ والرضوانِ، شهرٌ أرادَه اللهُ ليُعيدَ الإنسانُ بناءَ روحِه، ويستعيدَ صفاءَه، ويتهيّأَ لفيضِ النورِ الذي لا يناله إلّا من أقبلَ بقلبٍ خاشعٍ وعقلٍ متدبّرٍ وإرادةٍ صادقةٍ في التغيير.*

*لكنُ العُقودَ الأخيرَةَ وخاصّةً آخرَ ثلاثةٍ مِنها، شَهِدُ العالَمُ الإسلاميُّ، طَفرةً غيرَ مَسبوقةٍ في حَجمِ الإنتاجِ الترفيهيِّ اللّهويِّ في شَهرِ رمضانَ. تُظهِرُ تقاريرُ المَركزُ الإعلاميّ العرَبي التابع للجامعة العربية، أنّ الانتاج الدرامي العربي المسجل لديهم، شهد ارتفاعاً ب24% في شهر رمضان 1446 فبراير 2025م عن السنة السابقة، ليبلغ 854 عملاً دراميّاً وبرنامجاً مُنوَّعاً انتِجَت للشَّهرِ الفضيلِ، فيما تتجاوزُ ساعاتُ البَثِّ الترفيهيِّ 3200 ساعةٍ في أكثر 15 فضائية متخصصة .. ليُسجَّل بذلك أعلى إنفاقٌ إعلانيٌّ واعلامي تجاوز للمرة الأولى حاجز 500 مليونِ دولارٍ في رمضانَ وحدَه. وتطالعنا احصائيات اعلامية جديدة غير مكتملة تتحدث عن قفزة كبيرة حققها الانتاج الدرامي قسم المسلسلات للشهر الفضيل هذه السنة، بزيادة 67% عن العام الماضي، ليصبح عدد المسلسلات المنتجة لشهر رمضان الحالي 244 مسلسلاً .. وتُخصَّصُ الغالبيّةُ العظمى من نصف المليار دولار للبرامجِ ذاتِ الطّابعِ التّرفيهي والاستهلاكيِّ المادّيِّ، مُقابِلَ تراجُعٍ حادٍّ في المحتوى الإيمانيِّ والمعنوي الذي لا يتجاوزُ 6٪ من إجماليِّ البَثِّ في عددٍ من الدُّوَلِ العربيّةِ والإسلاميّةِ.*

*وما يدعو للتأمل واليقظة ، أن استِهدافُ رَوحانِيّةِ شهرِ رمضانَ لَم تتَوَقَّف عليَ جانِبِ المعنوياتِ المُباشِرَةِ، بل تَعَدّاهُ لمُؤَلِٰفاتِها الأُخرى في البَرمَجِةِ الإلهيَّةِ لِشَهرِ إنْعاشِ الرّوحِ، كالنَمَطِ الغذائي في رَمَضانَ .. لقد تحوّل فعلياً شهرُ الإحساسِ بالجوعِ والعطشِ، الذي أراده اللهُ مدرسةً للتربيةِ النفسيّةِ وتهذيبِ الإرادةِ واستشعارِ آلامِ الضعفاء، إلى موسمٍ للتخمةِ وتلوينِ الموائدِ بشتى أصنافٍ المأكولات والمشروباتِ. فبدلَ أن يكونَ الجوعُ جسراً إلى الرحمةِ والتواضعِ والتخفّفِ من ثِقَلِ الماديات، صار كثيرونَ يتعاملون مع رمضانَ بوصفه كرنفالاً غذائيّاً تُستعرَضُ فيه القدورُ والأطباقُ وتزدادُ فيه معدّلاتُ الصرفِ والاستهلاكِ إلى مستوياتٍ غير مسبوقة. وهكذا ينقلبُ المقصودُ المعنوي التربوي رأساً على عقب، فيبتعدُ المسلمُ – من حيث لا يشعر – عن مقاصدِ الشهرِ الكريمِ، ويغدو أسيرَ شهوةِ الطعامِ بدلَ أن يكونَ سيّدَها، ويخسرُ فرصةَ التزكيةِ التي لا تتحقّق إلّا بالتخفّفِ لا بالامتلاء، وبالزهدِ لا بالإسراف.*

*وهُنا يَبرُزُ سؤالٌ استقصائيٌّ لا يمكنُ تَجاهُلُه: مَن هو الفاعلُ الحقيقيُّ الذي يَدفعُ بهذا التَّحوُّلِ الضَّخمِ نحوَ تَهميشِ الرّوحانيّاتِ وإعلاء المادِيّاتِ وثقافَةِ الإِستِهلاكِ في أهمِّ موسمٍ إيمانيٍّ لدى المسلمين؟*
*هذا الانزياحُ الإعلاميُّ لا يبدو عَفوياً، بل يَتقاطَعُ – بوضوحٍ لا يحتاجُ شاهداً – مع مَساعٍ غربيّةٍ أوسعَ لِدَمجِ المُجتمعاتِ المُسلِمةِ في ثقافةٍ استهلاكيّةٍ مادّيّةٍ تُقصي الرّوحَ وتُشَيِّئُ الإنسانَ، وتُضعِفُ حضورَ القِيَمِ الإيمانيّةِ وتَتَنَكَّرُ للمعنويّاتِ. وهُنا يَفرِضُ نَفسَه سؤالٌ آخرُ: ما الهدفُ الحقيقيُّ وراءَ هذا الإغراقِ الترفيهيِّ في شَهرٍ بُنِيَ على التَّزكيةِ والسُّمُوِّ الرّوحيِّ؟*

*تُظهِرُ دِراساتٌ اجتماعيّةٌ حديثةٌ أنّ 68٪ من الأُسَرِ العربيّةِ تَقضي أكثرَ من خَمسِ ساعاتٍ يوميّاً أمامَ الشّاشاتِ في رمضانَ، وأنّ 42٪ من الشّبابِ يَعتَبِرون البرامجَ الترفيهيّةَ وعُروضَ الأغانذ والرّقصِ “الفَعاليّةَ الثّقافيّةَ الرّمضانيّةَ الأبرزَ والأهمَّ”. فأيُّ بيئةٍ ثقافيّةٍ تُشكِّلُ ذائقةَ ووعيَ وهُويّةَ هؤلاءِ الشّبابِ؟ وهل يتِمُّ إنتاجُ تِلكَ البرامجُ المُستهلِكَةُ لِساعاتِ أعمارِهم ولحظاتِ شَهرِ الضّيافةِ الإلهيّةِ، استجابةً لرغباتِهم أم توجيهاً لاهتماماتِهم وترتيباً لأولويّاتِهم؟ وتَبيئةً أذهانِهم لثقافةٍ الاطتهلاك والتفاهة؟ كلُّ هذا يَدفعُنا إلى طَرحِ سؤالٍ ثالثٍ مُهِمٍّ: مَن همُ المموِّلونَ الحقيقيّونَ لهذا النَّمطِ من المحتوى، ولماذا تُضَخُّ هذه الميزانيّاتُ الضَّخمةُ في برامجَ تُبعِدُ المُسلِمَ عن جَوهَرِ رسالةِ الشَّهرِ المباركِ؟*

*والأخطرُ من ذلك؛ أنّ بعضَ المؤسّساتِ الإعلاميّةِ في دُوَلٍ إسلاميّةٍ تَقومُ بالجُزءِ الأكبرِ من هذا النّشاط، ثم تأتي الشّركاتُ التجاريّةُ ووزاراتُ الثقافةِ والإعلامِ كداعمٍ فنّيٍّ وماليٍّ لِتنفيذِ هذه البرامجِ، ما يَجعَلُنا نَتساءلُ بإلحاحٍ: لماذا تَنخَرِطُ حُكوماتٌ ومؤسّساتٌ وأصحابُ أموالٍ في بُلدانٍ مُسلِمةٍ في مشروعٍ يُضعِفُ الهُويّةَ الإيمانيّةَ والرّوحيّةَ لشعوبِهم؟ وهل يُدرِكونَ أبعادَ هذا المشروع الذي يُشارِكونَ فيه؟*

*كما أنّ مُشاركةَ إعلاميّينَ وفنّانينَ ورياضيّينَ وكُتّابٍ مُسلمينَ في هذا المسارِ تُثيرُ سؤالاً آخرَ: هل يَعي هؤلاءِ حَجمَ الدَّورِ الذي يَلعَبونَه في إعادةِ تشكيلِ الوعيِّ الجَمعيِّ بعيداً عن الإيمانِ ومقاصدِ الشَّهرِ؟ أم أنّهم جُزءٌ من مشروعٍ لا يُدرِكونَ خُطورَتَه؟ وهل هم عاجزونَ عن تصميمِ وإبداعِ برامجَ تَسمو بالرّوحِ وتَرتقي بالمعنويّاتِ وتُثبِّتُ الهُويّةَ القيميّةَ والإيمانيّةَ للأمّةِ؟ أم أنّ هناكَ أيادياً خفيّةً عُليا تُحرِّكُ الجميعَ بوعيِهم أو بدونهِ لتنفيذِ خُطَطِها لِقَلبِ الشَّهرِ الكريمِ من موسمٍ للمعنى والرّوحانيّةِ والغُفرانِ، إلى نَقيضِهِ؟*

*إنّ استعادةَ الرّوحِ الرّمضانيّةِ ليست ترفاً، بل ضرورةٌ لحمايةِ الهُويّةِ الإيمانيّةِ من التَّمييعِ والابتذالِ الثّقافيِّ. ولا يَتَحقّقُ ذلك إلّا بإعادةِ توجيهِ المحتوى الإعلاميِّ ليكونَ مُلهِماً، مُحفِّزاً للرّوحِ، مُعزِّزاً للقِيَمِ، لا تابعاً لثقافةٍ استهلاكيّةٍ تُفرِّغُ الشَّهرَ من قُدسيّتِهِ.*

*ويَبقى السّؤالُ الأهمُّ: هل انتَبَهَت نُخَبُ الأمّةِ وجُمهورُها إلى خُطورةِ هذا التَّحوُّلِ، وإلى أنّ رمضانَ يُفرَّغُ تدريجيّاً من رسالتِهِ ومقاصدِهِ العُليا؟ وهل اِكتَشفنا مَن الذي يَسرِقُ من رمضانَ رُوحانيّتَه، ومِن المُسلِمِ فُرصتَه الأبرزَ للتَّعافي الرّوحيِّ والقُربِ من اللهِ سُبحانَه والتّوبةِ إليه، ونَيلِ مَغفرتِهِ ورِضوانِهِ والعِتقِ من النّيرانِ؟*

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات