خاص سودان تمورو
في لحظة سودانية مأزومة تتكاثر فيها الروايات بقدر ما تتكاثر البنادق، عادت إلى السطح محاولة قديمة بثوب جديد.. ربط تحالف “صمود” بقوات الدعم السريع، وصناعة انطباع عام بوجود تحالف عضوي بين الطرفين، وكأن الأمر حقيقة مستقرة لا تحتاج إلى دليل. ليست هذه مجرد قراءة سياسية متعجلة، بل هي أقرب إلى حملة شبه منظمة تستهدف تشكيل وعي جمعي مضلل، عبر خلط متعمد بين مسارين متناقضين في الجوهر والرؤية والمآلات.
أول ما ينبغي تثبيته، بعيداً عن الاصطفاف والانفعال، أن قوات الدعم السريع ارتبط اسمها في الوجدان السوداني بسلسلة من الانتهاكات الجسيمة التي لم تعد مجرد وقائع متفرقة، بل أصبحت جزءاً من صورتها الراسخة في العقل الجمعي. كلما ذُكر الدعم السريع، حضرت إلى الذهن مفردات الانتهاك والتجاوز والفوضى المسلحة. وهذه حقيقة اجتماعية وسياسية لا يمكن القفز فوقها أو تجميلها بشعارات عابرة. وفي علم السياسة، لا يبني الفاعلون العقلاء تحالفاتهم على أرض ملغومة أخلاقياً وشعبياً، لأن السياسة – في أحد أوجهها – إدارة للرصيد المعنوي قبل أن تكون إدارة للقوة.
وفي السياق نفسه لا يصح – من باب الإنصاف – تجاهل أن الحرب الدائرة لم تكن مسرحاً لانتهاكات طرف واحد فقط؛ فالاتهامات بارتكاب تجاوزات طالت كذلك الجيش السوداني في هذه الحرب، وهو ما يزيد المشهد تعقيداً ويؤكد أن الأزمة أعمق من اختزالها في ثنائية خير وشر. غير أن الإقرار بوقوع انتهاكات من هذا الطرف أو ذاك لا يعني تمييع المسؤوليات، ولا يصلح جسراً لاتهام قوى مدنية بالارتماء في أحضان أحد المعسكرين. بالعكس فإن تعدد الانتهاكات يضاعف الحاجة إلى مشروع مدني مستقل، لا إلى إلحاقه قسراً بأي قوة مسلحة.
من هذا المنطلق فإن الادعاء بأن تحالفاً مدنياً مثل “صمود” يمكن أن يرهن مستقبله السياسي لتحالف مع قوة مثقلة بهذا الإرث، هو ادعاء يصطدم بأبسط قواعد البراغماتية السياسية. التحالفات تُعقد لزيادة الحظوظ، لا لتقويضها. ومن يسعى إلى لعب دور في أي استحقاق ديمقراطي قادم، لا يمكن أن يقبل بحمل عبء سياسي وأخلاقي من شأنه أن يحرق رصيده قبل أن يبدأ السباق. الحديث عن تحالف من هذا النوع لا يبدو تحليلاً بقدر ما يبدو رغبة في إلصاق تهمة تستهلك خصمها معنوياً.
ثم إن المسألة لا تقف عند حدود الاعتبار الأخلاقي أو الشعبي، بل تتجاوز ذلك إلى التناقض البنيوي في الرؤى. عُرف عن العسكر، تاريخياً وواقعياً، أن من يمتلك القوة الصلبة في يده لا يبحث عن شراكة حقيقية بقدر ما يبحث عن غطاء سياسي. القوة حين تستقر في يد جهة واحدة، تميل بطبيعتها إلى إنتاج تحالفات صورية، تُبقي القرار الفعلي في يد البندقية، وتمنح الآخرين هامشاً شكلياً من المشاركة. هذه المعادلة لم تقتصر على تشكيلات بعينها، بل تكاد تكون سمة ملازمة لأي قوة مسلحة تمسك بمفاصل القرار.
في المقابل يقوم خطاب “صمود” – كما يُطرح في المجال العام – على فكرة السلطة المدنية الكاملة، لا على مبدأ اقتسام النفوذ مع حامل السلاح. الطموح المعلن هو كسر احتكار العسكر للقرار السياسي، لا الدخول تحت عباءتهم أو الاكتفاء بدور الواجهة. هنا يتجلى التناقض الجوهري.. كيف يمكن لتحالف يسعى إلى إنهاء هيمنة القوة العسكرية على السياسة، أن يتحالف مع أحد أبرز تجليات هذه القوة؟ إن الفجوة بين المشروعين ليست خلافاً تكتيكياً قابلاً للجسر، بل هي اختلاف في طبيعة الدولة المنشودة نفسها.
لهذا فإن محاولة ربط “صمود” بالدعم السريع لا يمكن قراءتها بمعزل عن حسابات الإقصاء السياسي. ثمة أطراف وكتل مدنية وعسكرية، ترى في وجود “صمود” عقبة أمام إعادة ترتيب المشهد وفق مصالحها. بدلاً من منازلة التحالف في ساحة البرامج والرؤى، يجري اللجوء إلى استراتيجية الوصم.. شيطنة الخصم عبر إلصاقه بقوة عسكرية مثقلة بالاتهامات، تمهيداً لعزله من أي ترتيبات مستقبلية أو تحالفات أوسع. إنها معركة على الشرعية الرمزية بقدر ما هي معركة على السلطة.
ولا يعني هذا الطرح تبرئة “صمود” من أخطائه خلال الفترة الانتقالية. فلكل تجربة سياسية هناتها، وأي تحالف شارك في إدارة مرحلة معقدة مثل المرحلة الانتقالية في السودان لا بد أن يكون قد ارتكب أخطاء في التقدير أو الممارسة. غير أن نقد تلك الأخطاء يجب أن يكون في سياقه الصحيح، بوصفه نقداً سياسياً مشروعاً، لا مدخلاً لتلفيق علاقات وتحالفات غير قائمة. ثمة فرق شاسع بين مساءلة أداء سياسي، وبين صناعة اتهام يُراد به اغتيال الشخصية الاعتبارية لكيان كامل.
السكوت عن هذا الربط القسري لا يعني الحياد، بل يعني السماح بترسيخ سردية قد تتحول مع الزمن إلى “حقيقة” في أذهان البعض، بفعل التكرار لا بفعل الدليل. وفي مناخ مشحون بالاستقطاب، يصبح تفكيك السرديات الزائفة ضرورة لحماية ما تبقى من مساحة مدنية يمكن أن تُبنى عليها أي تسوية مستقبلية.
إن اختزال المشهد في معسكرات مسلحة متقابلة، واتهام كل صوت مدني مستقل بالارتماء في أحدها، لن يقود إلا إلى مزيد من الانسداد.
المطلوب اليوم ليس الاصطفاف الأعمى خلف هذا الطرف أو ذاك، بل إعادة الاعتبار للمنطق السياسي الرشيد.. التحالفات تُبنى على المصالح المتقاربة، والمشاريع المتسقة، والحد الأدنى من الانسجام الأخلاقي والسياسي. وكل محاولة لتجاهل هذه القواعد، عبر فرض سردية تحالف غير موجود، إنما هي محاولة لتزييف الوعي لا لقراءة الواقع. وفي لحظة يحتاج فيها السودان إلى قدر أكبر من الوضوح والصدق، يصبح تفكيك هذه الحملات واجباً سياسياً وأخلاقياً في آن واحد.
