سودان تمورو:
لماذا يقف الأحرار مع إيران؟ سؤال يتردد في ساحات الجدل، ويُطرح أحيانًا بنبرة استنكار، وكأن الوقوف مع طرف في صراع ما لا بد أن يكون نابعًا من عصبية دينية أو انحياز مذهبي أو اصطفاف أيديولوجي أعمى. غير أن الحقيقة، في جوهرها العميق، أبسط من كل ذلك وأشد نقاءً… إن الأحرار يقفون حيث يجب أن يقف الضمير، لا حيث تملي المصالح ولا حيث تصرخ الدعاية.
الإنسان السويّ، حين يتأمل أي صراع، لا يبدأ بالسؤال: من ينتمي إلى عشيرتي أو ديني؟ بل يسأل: من بدأ بالعدوان؟ من فرض الحصار؟ من مارس التهديد المستمر؟ ومن يعلن صراحة حقه في الدفاع عن سيادته وقراره؟ إن أصل الحكاية هو الميزان الذي تُوزن به المواقف، لا العناوين العريضة التي تُسوَّق في الإعلام. وفي هذا الميزان، نرى كأحرار أن إيران، على مدى عقود، كانت هدفًا لضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية، وأنها بنت موقفها على قاعدة رفض الإملاءات الخارجية والتمسك بقرارها الوطني.
ليس الوقوف هنا تزكية مطلقة ولا ادعاء عصمة، فالدول كالبشر تخطئ وتصيب، ولكن القضية أعمق من تقييم سياسات تفصيلية. إنها متصلة بفكرة كبرى: هل من حق أمة أن ترفض الهيمنة؟ هل يجوز لشعب أن يسعى إلى امتلاك أدوات قوته في عالم لا يحترم إلا الأقوياء؟ حين تتحول هذه الأسئلة إلى محور النقاش، يتبدد كثير من الضباب.
لقد مثّل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الشهيد علي خامنئي رحمه الله رمزًا لهذه الإرادة الصلبة. تولى القيادة في مرحلة بالغة التعقيد، وسط حصار وعزلة وصراعات إقليمية محتدمة، واستطاع أن يحافظ على تماسك الدولة ومؤسساتها، وأن يدفع باتجاه تعزيز قدراتها العلمية والعسكرية والاقتصادية. سواء اتفق المرء معه أم اختلف، فإن حضوره في المشهد السياسي الإيراني كان عنوانًا للثبات في مواجهة الضغوط، ورسالة مفادها أن التراجع ليس خيارًا حين يتعلق الأمر بما تعتبره القيادة سيادة وطنية وكرامة سياسية.
الأحرار حين يعلنون تضامنهم، لا يفعلون ذلك بدافع الكراهية للآخر، بل بدافع رفض منطق القوة المجردة من العدالة. إنهم ينطلقون من قناعة بأن العالم الذي يُسمح فيه بمعاقبة الدول لأنها ترفض الاصطفاف، هو عالم مختل أخلاقيًا. وهم يرون أن ازدواجية المعايير هي أصل الداء: تُدان المقاومة هنا، ويُبرَّر اعدوان هناك؛ يُرفع شعار حقوق الإنسان في وجه خصم سياسي، ويُغض الطرف عنها حين يتعلق الأمر بحليف.
وفي قلب هذا المشهد تبقى قضية فلسطين حاضرة في الوعي الجمعي لنا. إن أي قوة تعلن دعمها لحقوق الفلسطينيين وتتبنى خطابًا رافضًا للاحتلال، ننظر إليها باعتبارها تقف في صف قضية نعتبرها معيارًا أخلاقيًا عالميًا. ومن هنا يتعزز الارتباط بين الموقف من إيران والموقف من فلسطين، بوصفهما جزءًا من معركة أوسع حول العدالة وحق تقرير المصير.
إن الضمير الإنساني، حين يكون حيًا، لا يقبل أن يُختزل العالم في معادلة أبيض وأسود وفق ما تقرره مراكز النفوذ. إنه يبحث عن جذور الصراع، عن سياقه التاريخي، عن لحظة البداية الأولى: من فرض الحصار؟ من لوّح بالقوة؟ من رسم خطوط النار؟ ومن أعلن أنه لن يخضع؟ عندها فقط تتشكل القناعة.
قد نختلف في التفاصيل، وقد تتباين الرؤى حول السياسات والاستراتيجيات، لكن تبقى حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها: أن الوقوف مع ما يُعتقد أنه موقف دفاعي في وجه ما يُنظر إليه كهيمنة، هو تعبير عن رؤية أخلاقية قبل أن يكون خيارًا سياسيًا. وهنا تحديدًا يقف الأحرار، حيث نعتقد أن الكرامة الإنسانية أولى من حسابات الربح والخسارة، وأن العدالة – مهما طال الطريق إليها – تستحق أن يُنحاز لها.
