الجمعة, مايو 8, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيحين يكتشف البنتاغون أن المعركة ليست نزهة عسكرية!.. بقلم سعد الدين عطية...

حين يكتشف البنتاغون أن المعركة ليست نزهة عسكرية!.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو

في لحظة نادرة من الصراحة، تكشف واشنطن بوست عن قلق يتسرب إلى أروقة وزارة الدفاع الأمريكية، حيث لم يعد الحديث يدور عن “ضربة خاطفة” أو عملية محسوبة بدقة، بل عن أسابيع محتملة من الاشتباك المفتوح، وعن مخزون دفاعي قد لا يصمد طويلاً أمام وتيرة استنزاف عالية. هكذا، تتبدد صورة الحرب السريعة التي تُحسم بقرار سياسي، لتحل محلها حسابات باردة تُنذر بمواجهة أطول وأقسى مما يتخيله صانع القرار في واشنطن.

القلق لا يتعلق فقط بخصم محدد، بل بطبيعة المعادلة ذاتها. فالمواجهة المفترضة مع إيران، كما توحي التسريبات، ليست عملية جراحية معزولة، بل اختبار لقدرة المنظومة العسكرية الأمريكية على تحمّل حرب استنزاف في بيئة مشبعة بالصواريخ والطائرات المسيّرة وتعدد الجبهات. هنا، تتحول التكنولوجيا المتقدمة إلى مسألة أرقام.. كم صاروخ اعتراض يتطلب إسقاط هدف واحد؟ وكم يوماً يمكن للمخازن أن تبقى ممتلئة إذا تسارعت وتيرة الهجمات؟

اللغة التي نقلتها الصحيفة عن بعض المصادر داخل البنتاغون توحي بحالة توتر غير اعتيادية. الحديث عن أجواء “شديدة الحساسية” و”قلق متصاعد” لا يعكس ارتباكاً عابراً، بل إدراكاً بأن أي مواجهة واسعة قد تفرض إيقاعها الخاص بعيداً عن السيناريوهات المعدّة سلفاً. في الحروب الحديثة، لا تكفي التفوق النوعي إذا كانت الكلفة الكمية تتضاعف بوتيرة أسرع من القدرة على التعويض.

المعضلة التي تلوح في الأفق ليست عسكرية فحسب، بل صناعية واستراتيجية أيضاً. فخطوط الإنتاج الدفاعي، مهما بلغت كفاءتها، تحتاج إلى وقت لتعويض مخزونات تُستهلك خلال أيام أو أسابيع. وإذا كان صاروخ واحد يتطلب أكثر من وسيلة اعتراض لضمان إسقاطه، فإن المعادلة تتحول سريعاً إلى سباق استنزاف. في مثل هذا السباق، يصبح السؤال عن القدرة على الاستمرار أكثر إلحاحاً من السؤال عن القدرة على البدء.

تصريحات شخصيات مثل آدم سميث، التي أشارت إلى محدودية الموارد، تعكس إدراكاً داخل المؤسسة السياسية بأن الولايات المتحدة أمام خيارات معقدة. ماذا لو امتدت المواجهة؟ ماذا لو تداخلت مسارح العمليات؟ وماذا لو فُرض على واشنطن توزيع دفاعاتها بين أكثر من جبهة في وقت واحد؟ هذه الأسئلة لا تُطرح في العلن عادة، لكنها اليوم باتت واقعا معاشا.

الأخطر في أي حرب طويلة ليس فقط استنزاف الذخائر، بل استنزاف الخيارات. فالانسحاب تحت الضغط يحمل كلفة رمزية وسياسية، والتصعيد الشامل يفتح أبواباً لا يمكن التنبؤ بمآلاتها، أما البقاء في منتصف الطريق فيعني القبول بضربات متكررة قد تقوض صورة الردع. بين هذه الاحتمالات، تبدو الاستراتيجية الأمريكية أمام اختبار قاسٍ: كيف تحافظ على هيبتها بعد انزلاقها في حرب مفتوحة لا سقف واضحاً لها؟

المفارقة أن فكرة “تغيير الخريطة”، التي طُرحت مراراً في الخطاب السياسي الأمريكي خلال السنوات الماضية، تصطدم اليوم بحقيقة مغايرة: الخرائط لا تتغير فقط بالقوة، بل أيضاً بقدرة من يملك القوة على تحمّل تبعات استخدامها. حين يُنظر إلى المنطقة بوصفها ساحة لإعادة الترتيب، يُغفل أن لكل خطوة عسكرية ارتدادات تتجاوز حدود الهدف المباشر.

المشهد الذي ترسمه التسريبات هو إعلان هزيمة. إنه أقرب إلى لحظة مراجعة داخل مؤسسة اعتادت أن تملي الإيقاع، فإذا بها مضطرة لحساب كل يوم وكل صاروخ وكل مخزن. في مثل هذه اللحظات، تتكشف حدود القوة بمعنى أنها ليست مطلقة كما يُروَّج.

في النهاية لا تختبر الحروب الجيوش وحدها، بل تختبر الرؤى التي قادت إليها. وأي حديث عن إعادة تشكيل الإقليم سيظل معلقاً بين طموح سياسي وحساب عسكري صارم. ما كشفته التقارير هو أن أسطورة “الحسم السريع” لم تعد بديهية كما كانت.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات