سودان تمورو
عندما أُعلن عن تشكيل مجلس القيادة المؤقت في ايران، لم يكن اسم علي رضا أعرافي هو الأكثر تداولاً في الشارع الإيراني أو في وسائل الإعلام الدولية. تساءل كثيرون: من يكون هذا الرجل الذي وُضع في دائرة حساسة من دوائر القرار؟ ولماذا يظهر اسمه في لحظة يُعاد فيها التفكير في معادلات السلطة داخل الجمهورية الإسلامية؟ في بلد يعرف الرأي العام فيه أسماء مثل غلام حسين محسني إجئي على رأس السلطة القضائية، أو مسعود بزشكيان في المعسكر الإصلاحي، يبدو أعرافي وجهاً أقل حضوراً إعلامياً. غير أن قراءة أعمق في بنية النظام تكشف أن غياب الضجيج لا يعني غياب التأثير.
ولد أعرافي عام 1959 في محافظة يزد، في بيئة دينية تقليدية. انتقل باكراً إلى قم، العاصمة الرمزية للحوزة الشيعية، وتتلمذ على أيدي مراجع بارزين مثل وحيد الخراساني وناصر مكارم الشيرازي وعبد الله الجوادي الآملي وجعفر السبحاني، حتى بلغ مرتبة الاجتهاد. غير أن مساره لم يتجه إلى الخطابة السياسية أو المناصب التنفيذية التقليدية، بل إلى الإدارة والتنظيم داخل الحوزة. ومن هنا تبدأ خصوصية تجربته.
في بنية الجمهورية الإسلامية، هناك رجال دين صعدوا عبر بوابة السياسة المباشرة، وآخرون عبر القضاء أو الخطاب الثوري. أما أعرافي فصعد من داخل “الهيكل” نفسه: إدارة المؤسسات الدينية، صياغة المناهج، تنظيم الشبكات التعليمية، وبناء علاقات ممتدة داخل الوسط الحوزوي. إنه نتاج البيروقراطية الدينية أكثر من كونه ابن المنبر السياسي. وهذه ميزة قد تبدو هامشية في الظاهر، لكنها في نظام يقوم على توازن دقيق بين الشرعية الدينية والبنية المؤسسية، تمنح صاحبها ثقلاً خاصاً.
المحطة المفصلية في مسيرته كانت رئاسته لجامعة المصطفى العالمية، المؤسسة التي تُعنى بتعليم طلاب أجانب في إيران. لم تكن الجامعة مجرد مؤسسة أكاديمية؛ بل تحولت، في عهد أعرافي، إلى شبكة عابرة للحدود تربط حوزة قم بعشرات الدول في آسيا وإفريقيا وأوروبا. آلاف الطلاب الذين تخرجوا منها عادوا إلى بلدانهم وهم يحملون تكويناً دينياً وثقافياً. وبهذا المعنى، لعبت الجامعة دوراً في صياغة ما يمكن تسميته بالدبلوماسية الدينية الناعمة للجمهورية الإسلامية. كان أعرافي في قلب هذا المشروع: تنظيماً وتمويلاً وتوسيعاً للشبكات.
في عام 2016، عُيّن مديراً للحوزات العلمية في ايران، وهو منصب يضعه على رأس الهرم الإداري للحوزة. إدارة الحوزة تعني الإشراف على آلاف الأساتذة والطلاب، وتنسيق عمل المدارس الدينية في مختلف المحافظات، والتفاعل المستمر مع المراجع والهيئات الدينية. عبر هذا الموقع، نسج أعرافي شبكة علاقات داخلية عميقة، وأصبح حلقة وصل بين الحوزة كمؤسسة تقليدية، وبين الدولة كمؤسسة حديثة ذات طابع ثوري.
لا يقتصر حضوره على الحقل الديني. فهو عضو في المجلس الأعلى للثورة الثقافية، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور، وعضو في مجلس خبراء القيادة. هذه المواقع تضعه عند تقاطع ثلاث دوائر مفصلية: إنتاج المعرفة الدينية، الرقابة الدستورية، والمؤسسة المخولة بانتخاب القائد. في نظام تتداخل فيه الشرعية الدينية مع البنية القانونية، يصبح هذا التقاطع مصدر قوة صامتة.
هل يعني ذلك أن أعرافي مرشح طبيعي لأي انتقال محتمل في هرم القيادة؟ الإجابة ليست بهذه البساطة. آليات الاختيار داخل مجلس الخبراء معقدة، وتخضع لتوازنات سياسية وحوزوية. كما أن أسماء أخرى قد تُطرح في لحظة الاستحقاق. لكن ما يمكن قوله بثقة إن أعرافي يمثل نموذجاً مختلفاً: رجل إدارة لا رجل صدام، رجل مؤسسات لا رجل شعارات. حضوره لا يقوم على الكاريزما الجماهيرية، بل على تراكم النفوذ داخل الهياكل.
في لحظات التحول، تميل الأنظمة أحياناً إلى الشخصيات التي تضمن الاستمرارية المؤسسية وتُجيد إدارة التوازنات، أكثر من ميلها إلى الوجوه الصاخبة. من هذه الزاوية، يبدو أعرافي أقرب إلى مهندس استقرار منه إلى قائد تعبوي. قد لا يكون الاسم الأكثر إثارة في النقاشات العامة، لكنه بالتأكيد ليس رقماً هامشياً في المعادلة.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل يظل رجل الهيكل داخل الهيكل، أم أن اللحظة التاريخية قد تدفع به إلى واجهة المشهد؟ في نظام يقوم على توازن المرجعية مع الدولة، قد يكون النفوذ الصامت أحياناً أبلغ أثراً من الحضور الصاخب. وفي كل الأحوال، فإن قراءة المشهد الإيراني المقبل لن تكتمل من دون وضع علي رضا أعرافي في الحساب.
