سودان تمورو
أثبتت ميادين القتال الحديثة، وبشكل أكثر وضوحاً على الحدود اللبنانية المحتلة، أن زمن التفوق التكنولوجي المطلق لم يعد حكراً على قوة بعينها أو تحالف بذاته. ففي تطور بحسب الصحافة الإسرائيلية يثير قلقاً متزايداً في الأوساط الأمنية الإسرائيلية، باتت طائرات حزب الله المسيرة من طراز FPV (التحكم بمنظور الشخص الأول)، المرتبطة بكابلات الألياف البصرية، تمثل تهديداً نوعياً يصعب التصدي له أو حتى رصده بالأنظمة الدفاعية المتطورة. هذه الطائرات، التي لا تتجاوز تكلفتها البضعة دولارات وتُعرف بفعاليتها في جبهات القتال الأوكرانية، تسببت مؤخراً في مقتل جندي احتياط إسرائيلي قرب الحدود اللبنانية، مما دق ناقوس الخطر في تل أبيب.
لم يعد الأمر مجرد مناوشات محدودة أو قدرات بدائية، بل تحول إلى تحدٍ استراتيجي يجبر إسرائيل على إعادة النظر في عقيدتها الدفاعية. فقد كشفت تحليلات “جيروزاليم بوست” أن تل أبيب، التي طالما تفاخرت بمنظوماتها الجوية والدفاعية المتطورة، تجد نفسها اليوم في موقف حرج يدفعها إلى دراسة التعاون مع أوكرانيا، البلد الذي يواجه تهديداً مشابهاً من الطائرات المسيرة الروسية. هذا التحول ليس بالهين، فهو يعكس إقراراً ضمنياً بفشل المنظومات الغربية المتطورة في مواجهة ما يُعرف بـ”سلاح الفقراء”؛ سلاح رخيص، واسع الانتشار، ويعتمد على تقنيات بسيطة لكنها فعالة لدرجة إرباك أقوى الجيوش.
لقد أثبتت الأيام، وبشكل لا لبس فيه، أن التقنية الحديثة والتطور المعرفي ليسا حكراً على أمريكا وحلفائها. فقد استطاعت إيران وحلفاؤها، وفي مقدمتهم حزب الله، تطوير أسلحة رخيصة الثمن، تعتمد على مبادئ بسيطة ولكنها تكتيكية بامتياز، عجزت أقوى المنظومات الغربية المصممة لمواجهة تهديدات تقليدية عن مجابهتها. هذه الطائرات الصغيرة، التي تطير دون الحاجة لإشارة راديوية معقدة بفضل ارتباطها بالألياف البصرية، تصبح أشباحاً يصعب اعتراضها أو التشويش عليها، وتتحول إلى أداة فتاكة قادرة على اختراق الدفاعات الأكثر تحصيناً.
ما نشهده اليوم ليس مجرد تكتيك عسكري جديد، بل هو مؤشر على تحول أعمق في طبيعة الصراعات المستقبلية. إن الدعوات إلى تعاون إسرائيلي أوكراني أمريكي، وحتى انخراط دول الخليج في التواصل مع كييف بشأن حلول مضادة للطائرات المسيرة، ما هي إلا اعتراف متأخر بأن الميدان أصبح مفتوحاً أمام الجميع، وأن من يمتلك الذكاء التكتيكي والقدرة على ابتكار حلول منخفضة التكلفة، يمكنه أن يغير قواعد اللعبة ويقلب موازين القوى التي ظلت ثابتة لعقود. فهل تكون هذه الطائرات الصغيرة الرخيصة إيذاناً بعهد جديد تفقد فيه المنظومات المليارية بريقها أمام براعة “سلاح الفقير”؟ الأيام القادمة وحدها من ستجيب.
