سودان تمورو
في خضم المواجهة المصيرية التي تخوضها الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم بوجه عدوان ثلاثي الأبعاد؛ أمريكي بالسلاح، وإسرائيلي بالتحريض والسلاح، وأوروبي بالصمت والتغطية، تطل أوروبا من جديد بوجهها المألوف: قناع الدبلوماسية المزدوجة، ويد مغموسة حتى المرفق في وحل الحرب. إن المشهد الأوروبي الراهن لا يقدم صورة حياد أو وساطة، بل يكشف عن حالة انفصام حادة بين خطاب سياسي يدّعي السعي للتهدئة، وأفعال ميدانية تجعل من الدول الأوروبية ركيزة أساسية لا يمكن للآلة الحربية الأمريكية-الإسرائيلية أن تدور من دونها.
منذ اللحظات الأولى للعدوان، برزت الازدواجية الأوروبية بأبهى صورها. سارعت فرنسا إلى إعلان “عدم علمها المسبق” بالضربات، في محاولة لتبييض صفحتها أمام الرأي العام الداخلي والإسلامي، بينما أقرت ألمانيا بأنها كانت “على اطلاع كامل” بالهجوم الوشيك. أما بريطانيا، فعكفت على ممارسة لعبة سياسية ذكية، إذ أعلنت رفضها رسمياً منح واشنطن “تفويضاً مطلقاً” لاستخدام قواعدها العسكرية، بينما أبقت الباب موارباً لاستخدام “محدود ودفاعي” لقواتها. هذا التباين في التصريحات لم يكن سوى توزيع أدوار داخل المسرح الأوروبي، بهدف امتصاص الغضب وتوزيع المخاطر، بينما كان الثابت الوحيد هو الصمت المطبق على إدانة العدوان، والاكتفاء بالتبرؤ الشكلي من المشاركة المباشرة مع الترديد كالببغاء لعبارة “ضرورة الحل الدبلوماسي” التي باتت تثير السخرية أكثر مما تحمل أملاً.
لكن المشهد يصبح أكثر دموية عندما ننتقل من فضاء التصريحات إلى أرض الواقع. فالواضح للعيان أن أوروبا، عبر صمتها ومواقفها العملية، لم تكن مجرد متفرج، بل درع الدعم وسيف الحرب الصامت. لا يمكن لأي مراقب محايد أن يتجاهل حقيقة أن القواعد الأمريكية في بريطانيا وألمانيا وإيطاليا والبرتغال كانت بمثابة القلب النابض للإمدادات اللوجستية التي غذّت العدوان. فمن خلال تلك القواعد، تنقلت الطائرات الأمريكية المحملة بالأسلحة والذخائر باتجاه غرب آسيا، وبدونها كانت سلسلة الدعم ستنقطع حتماً.
ولم يقتصر الأمر على التسهيلات اللوجستية، بل تعداه إلى دعم عسكري مباشر. إعلان بريطانيا عن تعزيز وجودها العسكري في المنطقة تحت ذريعة “تعزيز القدرات الدفاعية” إلى جانب القوات الأمريكية والإسرائيلية، وتحريك حاملة الطائرات الفرنسية “شارل ديجول” باتجاه مسرح العمليات، ليسا سوى رسائل واضحة بأن أوروبا جزء لا يتجزأ من المعادلة العسكرية. إنها “حرب بالوكالة” بامتياز، تُشن بأيدٍ أمريكية وغطاء أوروبي كامل. بل إن التحضيرات سبقت الحرب، فطائرات التجسس الإيطالية كانت تجمع المعلومات إلى جانب الأمريكية، والطائرات البريطانية والفرنسية كانت تجري دوريات استباقية للتدرب على اعتراض المسيرات الإيرانية، وكأنها كانت تمهد الطريق لساعة الصفر.
في مقابل هذا الإجماع الأوروبي على التورط، يبرز الموقف الإسباني بمثابة الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، بإدانتها العلنية للعدوان ورفضها استخدام قواعدها العسكرية، بل وإجبار الطائرات الأمريكية على مغادرتها نحو ألمانيا. كذلك كان الموقف البلجيكي، الذي وإن لم يصل إلى حد الإدانة، فقد وصف التصرفات الأمريكية والإسرائيلية بأنها “مخالفة للقانون الدولي”، ما يعكس حالة ارتباك وانقسام داخل البيت الأوروبي بين من يساوم على دماء المنطقة ومن يحتفظ ببعض ما تبقى من ماء الوجه.
أما بخصوص مستقبل الموقف الأوروبي، فإن القارة العجوز تقف اليوم في مأزق استراتيجي حقيقي. فهي من جهة، لا تملك الجرأة السياسية على الانفصال عن القرار الأمريكي وخريطة الطريق التي ترسمها واشنطن. ومن جهة أخرى، تدرك عواصم القارة أنها غير قادرة على تحمل تبعات حرب مفتوحة في قلب منطقة الخليج. ولعل أكثر ما يفضح هذا المأزق هو مطالبتها المتكررة لطهران “بضبط النفس” وتغاضيها التام عن واشنطن كطرف معتدٍ ومصدر رئيسي للتصعيد، وكأن الشرعية الدولية لم تعد تعني شيئاً في قاموسها.
الرهان الأوروبي اليوم هو على إبقاء فتيل الأزمة مشتعلاً دون أن يحترق الجميع. لكن حساباتهم تبدو خاطئة. فإذا ما توسعت رقعة الحرب ووصلت إلى مضيق هرمز، وارتفعت أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية، فإن القارة التي ترزح أصلاً تحت وطأة أزمات اقتصادية وطاقة، ستكون أول المتضررين. وهنا، قد نرى أوروبا تضطر لاتخاذ مواقف أكثر تشدداً، ليس انطلاقاً من مبدأ، بل تحت ضغط الرأي العام الداخلي والعجز عن تأمين احتياجات شعوبها.
الخلاصة أن أوروبا التي تحاول اليوم لعب دور “الدبلوماسي المستقل” وهي عاجزة عن اتخاذ قرار سيادي واحد بعيد عن الهيمنة الأمريكية، تخاطر بفقدان ما تبقى من مصداقيتها على الساحة الدولية. هذا العدوان لن يجني منه الأوروبيون سوى مزيد من الأزمات: اقتصاد مهترئ، وأمن طاقي مهدد، وسمعة دولية مشوهة إلى الأبد. إنهم ليسوا وسطاء، بل شركاء صامتون في عدوان سيدفع ثمنه الجميع، وهم في مقدمتهم. السؤال الذي يبقى معلقاً: هل ستدرك العواصم الأوروبية أن استقلالية قرارها السياسي هي أثمن ما تملك قبل فوات الأوان، أم أنها ستظل ترقص على أنغام الحرب الأمريكية حتى آخر قطرة نفط في المنطقة، وحتى آخر صوت ضمير في شعوبها؟
