سودان تمورو
لا تقل أهمية قراءة الخرائط النفسية عن أهمية قراءة الخرائط العسكرية. فمن يرصد اليوم سلوك العدو الأمريكي الصهيوني، وتحديداً في هذه اللحظة التاريخية الفاصلة، لا يمكنه إلا أن يلاحظ شيئاً واحداً: إنه غضب مكتوم يتحول إلى هستيريا قتل جماعي. فمخططاتهم ومراقبتهم اللحظية لردود الأفعال، ولجؤهم إلى “تكتيك حرب المدن” عبر قصف وحشي وعشوائي للمدن، لم تأتِ من موقع قوة، بل هي صرخة اعتراف بفشل ذريع.
نعم، إنه الغضب بعينه. غضب من عدم القدرة على فرض معادلة “الـ12 يوماً” التي اعتادوا عليها، فإذا بهم يصطدمون برفض إيراني قاطع لوقف إطلاق النار، وبإرادة ترفض الرضوخ لشروطه. غضب من يقينهم أن “استثماراتهم” الاستراتيجية التي دامت سبعة عقود في المنطقة تتحطم يومياً تحت وطأة صواريخ دقيقة وإرادات صلبة، تعيد رسم الخريطة السياسية من جديد. لكن الغضب الأكبر، ذلك الذي يحاولون جاهدين إخفاءه خلف ستار من الصمت الإعلامي والصورة المقطوعة، هو ما يحدث على متن “حاملات الطائرات” العملاقة.
تلك البوارج التي طالما روّجوا لها كرموز للقوة التي لا تُقهر، ها هي اليوم تبعد آلاف الأميال عن مسرح الأحداث، لا لتفرض هيمنة، بل لتطفئ حرائق تلتهم أجنحتها. لو كانت المنافذ الجوية والقواعد البحرية والطرق البرية للعدو آمنة كما يُشاع، لرأينا مشاهد بث حي ومباشر لوصول التعزيزات ولعمليات الإنقاذ، لكن ما يحدث هو عكس ذلك تماماً: حرب إعلامية صارمة على نقل الصور، ليس لتأمين النصر، بل لإخفاء حجم الخسارة. إنهم لا يخفون هزيمة عسكرية فقط، بل يخفون انهيار أسطورة.
والنموذج الحربي الذي يقوده ترامب اليوم لا يعكس استراتيجية منتصر، بل يعكس حالة رجل أُحكمت عليه الحلقات، رجل “وقع في الفخ” ولا يملك مفاتيح الخروج. كل قنبلة تُلقى على الأحياء السكنية اليوم هي رسالة يأس، وكل محاولة للهروب إلى الأمام هي اعتراف بأن الخصم الذي ظنوه ضعيفاً استطاع أن يفرض معادلات جديدة. إنها سياسة “الغضب الأعمى” التي تمارس عندما تنهار الخيارات، وتغلق الأبواب، وتتحول حاملات الطائرات من رأس حربة إلى هدف ثابت.
نحن أمام عدو يحرق أوراقه الأخيرة بيدين مرتجفتين. عدو يلهث خلف وقف نيران يخرجه من مستنقع الخسارة، لكن اليد على الزناد اليوم هي يد من يقرأ الغضب في عيون خصمه، ويعرف أن النصر يمشي في طرقات المدن التي تحترق، وأن الهزيمة تختبئ في أعماق بحر تحترق فيه البوارج.
