السبت, أبريل 25, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيوقف إطلاق النار في هذه المرحلة.. لماذا لا يصب في مصلحة إيران؟.....

وقف إطلاق النار في هذه المرحلة.. لماذا لا يصب في مصلحة إيران؟.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو
في لحظة تاريخية فارقة، تعيش المنطقة واحدة من أكثر مراحلها دموية وتعقيداً، فمنذ اللحظة التي تجاوزت فيها واشنطن وتل أبيب الخطوط الحمراء، وشنَّتا عدواناً غادراً أودى بحياة المرشد الإيراني وقيادات كبرى، دخلت المواجهة منعطفاً استراتيجياً جديداً. لم يعد السؤال المطروح حول إمكانية التصعيد، بل حول طبيعة المرحلة المقبلة ومآلات هذه الحرب التي تضع مصير المنطقة برمتها على كفّ عفريت. في خضم هذا المشهد الدامي، يبرز سؤال ملحّ: هل يمكن لوقف إطلاق النار في هذه المرحلة أن يشكل مخرجاً مقبولاً، أم أنه سيكون بمثابة كمين استراتيجي يعيد إنتاج الأزمة بصورة أكثر وحشية؟
ما يجري اليوم ليس مجرد جولة عنف عابرة، بل هو اختبار حقيقي لمعادلات الردع التي حكمت لعقود العلاقة بين إيران والقوى الكبرى. لناحية الواقع الميداني، تمتلك إيران أوراقاً مهمة، وفي مقدمتها ترسانتها الصاروخية التي أثبتت قدرتها على إيصال الرسائل البعيدة والمؤلمة. تشير المعطيات إلى أن المخزون الاستراتيجي الإيراني قادر على استدامة المعركة لأمد بعيد، وهذا يعني أن الجيش الإيراني وقواته الصاروخية لم يستخدما بعد كل أوراقهما الرابحة. كما أن الدعم الدبلوماسي الذي تحظى به طهران من قوى كبرى كروسيا والصين، إضافة إلى التماسك الداخلي الذي عادة ما تفرزه مثل هذه الإعتداءات يشكلان ركائز قوة إضافية.
على الجانب الآخر، ورغم التفوق الأميركي الإسرائيلي الجوي الواضح، فإن استمرار الحرب يضع قواتهما أمام تحديات حقيقية. فأسلحتهم الدفاعية ليست بلا نهاية، واستنزافها في معركة مفتوحة مع إيران يعني كشفهما لاحقاً. كما أن تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي، وخاصة على أسعار النفط، باتت كابوساً يقلق واشنطن التي تعاني أصلاً من انقسام حاد في رأيها العام. ففي الوقت الذي يدعم فيه القاعدة الجمهورية عمليات عسكرية خاطفة ضد إيران، فإن أي استنزاف طويل الأمد سيكون بمثابة انتحار سياسي للإدارة الأميركية الحالية.
في ضوء هذه المعادلة المعقدة، يمكن تلمس خمسة سيناريوهات رئيسية لمستقبل هذه المواجهة. أولها وأكثرها تطرفاً هو سيناريو “الإطاحة بالنظام”، وهو الحلم الأميركي الإسرائيلي القديم الجديد، لكنه يبدو اليوم أقرب إلى السراب منه إلى الحقيقة. فتنفيذ مثل هذا السيناريو يتطلب اجتياحاً برياً واسعاً، وهذه مغامرة لا تملك واشنطن جاهزيتها العسكرية ولا شعبيتها لخوضها. أما البديل فهو محاولة تفجير الوضع من الداخل عبر التحريض على الاحتجاجات، لكن التجربة أثبتت أن العدوان الخارجي يعزز الوحدة الداخلية بدل تفتيتها.
السيناريو الثاني يقوم على فكرة “التفتيت والانهيار”، حيث يسعى العدو إلى توظيف الجماعات الانفصالية والإرهابية لإشعال حرب داخلية. صحيح أن هناك حراكات مشبوهة على الحدود، لكن اليقظة الأمنية الإيرانية والمخاوف الإقليمية من فوضى شاملة في قلب المنطقة تحول دون نجاح هذا المخطط.
السيناريو الثالث يتعلق بـ”الاحتواء وإعادة التشكيل”، حيث تسعى أميركا للتأثير على مسار انتخاب القيادة المستقبلية، بهدف إنتاج نخبة أكثر مرونة مع الغرب لتقديم تنازلات نووية وصاروخية. لكن التجربة أثبتت أن المنظومة السياسية في إيران تمتلك مناعة ذاتية عالية، وأن مقتل القائد لا يوقف المسار، بل قد يزيده إصراراً على المضي قدماً في طريق المقاومة.
السيناريو الرابع هو “وقف إطلاق النار”، وهو الأكثر ترجيحاً في اللحظة الراهنة نظراً للضغوط الدولية والإقليمية والخوف من توسع رقعة الحرب. لكن الغريب أن هذا السيناريو، رغم أنه ليس الأولوية القصوى للعدو مقارنة بسيناريوهات الإطاحة أو التفتيت، إلا أنه في هذه المرحلة تحديداً لا يصب في المصلحة الإيرانية الإستراتيجية. فلماذا؟
لأن وقف إطلاق النار دون حسم المعركة لصالح أحد، ودون ترجمة ميدانية لتفوق استراتيجي واضح، يعني ببساطة تجميد المواجهة لا إنهاءها. في هذه الحالة، ستبقى جبهات أخرى مشتعلة، سواء في لبنان أو العراق، وستستمر الضغوط من خلال تحريك الاحتجاجات الداخلية أو المناوشات الحدودية. بمعنى أدق، سيتحول وقف إطلاق النار إلى سيف معلق على رقبة المنطقة، يبقيها في حالة ترقب وقلق دائمين، ويعطي العدو فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب أوراقه لشن هجمات نفسية وإعلامية وأمنية جديدة، من دون أن تقدم على مغامرة عسكرية واسعة مجدداً. هذا السيناريو يبقي إيران في حالة دفاع دائم، ويحول دون استثمار الزخم الشعبي والسياسي الناتج عن العدوان في تحقيق مكاسب استراتيجية دائمة.
أما السيناريو الخامس والأخير فهو “التوافق”، وهو الأكثر صعوبة في المدى المنظور، لكنه الأكثر مطلوبية واستدامة لإيران. يتطلب هذا السيناريو مواصلة المعركة حتى إدراك العدو أن معادلة “الحرب بلا ثمن” قد انتهت. إيران قادرة على تحميل أميركا وحلفائها كلفة باهظة تجعلهم يعيدون حساباتهم.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات