سودان تمورو
ما زال في مشهد العدو شيء لا يستقيم، وثمّة خلل واضح تحاول الآلة السياسية والإعلامية إخفاءه، لكن تفاصيله تتسرّب من بين السطور. التسرّع الفرنسي في لعب دور الوسيط بين الحكومة اللبنانية والنظام الإسرائيلي، والإصرار اللافت لفِرق الإعلام الصهيونية على إنتاج محتوى باستخدام الذكاء الاصطناعي لإثبات أن بنيامين نتنياهو ما زال حياً وقادراً على الظهور، في مقابل متابعة دقيقة من نشطاء وإعلاميين يشككون حتى في آخر تسجيل مصوّر ويعدّونه مادة مفبركة، كل ذلك لا يبدو صدفة. وعندما يُضاف إلى هذه الصورة نفطٌ تجاوز حاجز المئة والعشرين دولاراً، يتضح أن ثمة محاولة كبرى لإخفاء تصدّع عميق في الجبهة النفسية للمعسكر المعادي.
لا شيء يسير كما تشتهي تل أبيب ولا كما خُطّط له في واشنطن. فقدان سبع طائرات وُصفت طويلاً بأنها من أكثر الطائرات تقدماً في العالم، في واقعة غير مسبوقة في تاريخ الحروب الحديثة، لم يكن تفصيلاً عابراً. وفي الوقت نفسه لا تزال معضلة مضيق هرمز تضغط بقوة على حسابات الخصوم، لتذكّر الجميع بأن الجغرافيا حين تدخل معادلة الصراع فإنها قادرة على تغيير الكثير من الحسابات.
وفي المقابل، يواصل الجيش الإيراني تنفيذ موجات متلاحقة من العمليات العسكرية، من الموجة الخمسين وصولاً إلى الرابعة والخمسين، في وتيرة متواصلة من الضربات التي تستهدف عشرات المواقع. هذا الإيقاع العملياتي، الذي يمتد إلى مئات الأهداف في ثماني دول، يعكس مستوى غير مسبوق من كثافة النيران واتساع مسرح العمليات، في مشهد لم تعهده الحروب المعاصرة بهذه الصورة المتزامنة.
هذه المعطيات كلها تعزز الانطباع بأن شيئاً ما يتعثر بوضوح في حسابات الطرف الآخر. ليس فقط بسبب صعوبة المواجهة العسكرية، بل أيضاً بسبب حالة الصمت والجمود غير المعتادة التي تبدو واضحة في خطاب العدو وسلوكه. فالقوى التي تمتلك زمام المبادرة عادة ما تُكثر من الضجيج الإعلامي، أما حين يسود الصمت، فغالباً ما يكون ذلك مؤشراً على ارتباك عميق ومحاولة لاحتواء أزمة لم تتضح كل معالمها بعد.
في مثل هذه اللحظات يصبح الوعي واليقظة ضرورة، لأن ما يُخفى أحياناً يكون أكبر بكثير مما يُعلن. ومع ذلك تبقى الحقيقة الأعمق أن مآلات الصراعات لا تُحسم فقط بحسابات القوة المادية، بل أيضاً بميزان العدالة والإرادة والصبر. وفي نهاية المطاف يظل اليقين قائماً بأن النصر، مهما طال الطريق إليه، هو بيد الله وحده، مالك السماوات والأرض، الذي بيده تتبدل الموازين وتُكتب نهايات الصراعات.
