سودان تمورو:
عندما يطلق رئيس الولايات المتحدة، التي بدأ تاريخها بالاستعباد واستمر بعقود من الفصل العنصري، وتصارع اليوم من مقتل جورج فلويد إلى التمييز المنهجي في أنظمتها القضائية والشرطية، وتخوض بلاده على مدى سبعين عاماً حروباً من كوريا إلى فيتنام إلى العراق وأفغانستان، ويلقي بالقنابل الذرية على اليابان، ثم يصف الشعب الإيراني بـ”المجانين”، فإن هذا لا يعد تحليلاً سياسياً، بل هو عجز صارخ عن مواجهة الصورة القبيحة لذاته في المرآة.
إنها مفارقة تاريخية أن تقود دولة شهدت مذابح السكان الأصليين ومارست العبودية قروناً، ثم تفرض قوانين فصل عنصري حتى ستينيات القرن الماضي، حملات أخلاقية ضد دول أخرى. والأكثر سخرية أن تمارس هذه الدولة التي تخوض حروباً متواصلة عبر القارات، خطاباً يستند إلى وصاية مزعومة على الشعوب.
ما يحدث اليوم ليس سوى استمرار لرواية القوة التي ترفض الاعتراف بثقل ماضيها، فتسعى إلى تصدير عيوبها عبر اتهام الآخرين. فبدلاً من مراجعة ملفاتها الداخلية من العنصرية البنيوية إلى العدوان الخارجي، تختار الهروب إلى الأمام بتشويه صورة من يقفون أمام سياستها.
إن وصف شعب بأكمله بـ”المجانين” لا يعكس إلا حالة الإنكار التي تعيشها النخبة الحاكمة في واشنطن، التي تواصل التغاضي عن جراحها التاريخية والراهنة. فالعنف المنهجي ضد السود، والحروب التي لا تنتهي، والاستعلاء الثقافي، كلها وجوه لعملة واحدة: عدم القدرة على رؤية الذات كما يراها العالم.
لقد حان الوقت لأن تلتفت القوة العظمى إلى مرآة تاريخها قبل إلقاء التهم. فالشعوب التي تقاوم الهيمنة ليست مجنونة، بل هي ترفض أن تكون ضحية لرواية وحيدة يكتبها المنتصر. والصوت الذي يعلو اليوم من طهران إلى بكين، من موسكو إلى كاراكاس، ليس سوى صدى لرفض عالمي لمعايير مزدوجة عفا عليها الزمن.
فهل تستطيع أمريكا أخيراً مواجهة انعكاسها في المرآة؟ الإجابة ليست في خطابات الرؤساء، بل في قدرتها على مصالحة تاريخها مع قيم المساواة والسلام التي تزعم الدفاع عنها.
