السبت, أبريل 25, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارطارق كجاب.. حين تُسلّم المؤسسات العسكرية قادتها لقرابين "الذباب الإلكتروني"

طارق كجاب.. حين تُسلّم المؤسسات العسكرية قادتها لقرابين “الذباب الإلكتروني”

سودان تمورو:

بكلماتٍ تقطر انضباطاً ووفاءً، حافظ فيها على حُرمة الزي العسكري وكبرياء الجندية، أعلن العميد الدكتور طارق الهادي كجاب ترجله عن الخدمة في صفوف القوات المسلحة السودانية. لم تكن رسالة وداعه التي بثها عبر الفضاء الأزرق سوى امتداد لتقاليد عسكرية عريقة، مجّد فيها المؤسسة التي أفنى فيها زهرة شبابه، واصفاً إياها بـ”أشرف مؤسسة في البلاد”، وراجياً لها ولقيادتها دوام السؤدد. لكن خلف سطور هذا الوداع الهادئ، والانسحاب الذي يتسربل بالكرامة والدعاء بأن يتقبل الله ما قُدم خالصاً لوجهه، تتوارى قصة بالغة الخطورة، تطرح سؤالاً جوهرياً يمس صميم السيادة الوطنية: هل أصبحت مصائر كبار الضباط وقراراتهم المهنية رهينة لحملات “الذباب الإلكتروني” والتضليل الإعلامي الموجه من وراء الحدود؟.

لإحقاق الحق وتفكيكاً لملابسات هذه القضية، فإن العميد كجاب لم يطالب قط، ولم يُحرض إيران أو غيرها، على قصف محطات التحلية في دول الخليج. ما جرى لم يكن سوى اجتزاء مُتعمد ومُغرض لقراءة استراتيجية عميقة قدمها الرجل في إطار تحليله العلمي لمسارات الحرب المفتوحة، حيث أشار في معرض حديثه الأكاديمي إلى “إمكانية” استهداف منشآت حيوية كسيناريو محتمل في أي مواجهة عسكرية إقليمية موسعة. هذا النمط من استشراف المآلات يُعد أبجدية معتادة في الدراسات الأمنية والعسكرية حول العالم؛ لكن آلة التضليل الرقمي الموجهة تعمدت انتزاع التحليل من سياقه المعرفي، وتحويله إلى “تهمة جاهزة” في ساحات المحاكمات الافتراضية.

وهنا تبرز المفارقة التي تدمي القلب وتستدعي وقفة للمراجعة؛ فبدلاً من أن تكون المؤسسة العسكرية حصناً منيعاً يذود عن أبنائه ويحميهم من حملات التشويه الممنهجة، وتخرج ببيان ناصع يوضح للرأي العام الداخلي والخارجي أن ضابطها لم يقصد التحريض وإنما كان يمارس تحليلاً استراتيجياً صرفاً، جاء قرار الإحالة للتقاعد وكأنه استجابة فورية لضجيج الساحات الافتراضية. كان حرياً بالقيادة العسكرية، إن رأت في طرح الضابط تجاوزاً أو خطأ في التقدير العلني، أن تُعالج الأمر خلف الأبواب المغلقة، بلفت انتباهه أو حتى إحالته للتقاعد ضمن الكشوفات الدورية المعتادة، بما يحفظ له تاريخه وللمؤسسة هيبتها، بدلاً من أن يبدو القرار، في توقيته وسياقه، وكأنه استجابة لإملاءات حملات التشهير الأجنبية.

إن قضية العميد كجاب تفتح الباب واسعاً أمام ظاهرة أعمق، وهي ليست السابقة الأولى ولن تكون الأخيرة إن لم يُتدارك الموقف. فما حدث بالأمس القريب مع شخصيات أخرى كالقيادي الناجي مصطفى، حين تم استخدام مقاطع مرئية مجتزأة تحرف مقاصده، يؤكد أن هناك نهجاً يعتمد على ليّ أعناق النصوص لضرب الرموز والقيادات. هذا الواقع يفرض على المؤسسة العسكرية، وبشكل عاجل، استصدار تعميم واضح وصارم يحدد عقيدة التحدث في الشأن الإقليمي والدولي لأبنائها وحلفائها. يجب أن تكون القاعدة جلية: إما السماح بالتحليل العلني ضمن محددات منضبطة تحمي المتحدث، أو المنع البات مع التكفل بحماية الضباط من أي هجمة إلكترونية تستهدف اجتهاداتهم السابقة.

إن الرسالة الأخطر التي يفرزها تسيير القرارات المصيرية بناءً على تريندات منصات التواصل الاجتماعي، هي أن أبواب صناعة القرار قد شُرعت أمام أي جهة تسعى لتصفية حساباتها عبر افتعال ضجيج رقمي مأجور. هذا الانزلاق لا يُضعف الثقة الداخلية في مناعة المؤسسة العسكرية فحسب، بل يحولها إلى مسرح هش للصراعات بالوكالة، حيث تُحسم مصائر الضباط وتقييماتهم لا بناءً على الكفاءة وميادين البذل، بل تحت مقصلة الخوارزميات والذباب الإلكتروني. لقد ترجل العميد كجاب بكرامة وشموخ، تاركاً خلفه سؤالاً معلقاً برسم القيادة: متى ستستعيد المؤسسات قرارها السيادي، وتضع حداً فاصلاً بين النقد المشروع والابتزاز الرقمي، لتكون درعاً لأبنائها، لا سيفاً يُسلط عليهم إرضاءً لوهم الساحات الافتراضية الأجنبية؟.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات