سودان تمورو
بصوتٍ يخنقه دخان الحرائق التي تلتهم منطقتنا، وبنظرةٍ فاحصةٍ لمراقب عربي يرى وطنه الأكبر يُستباح، أجدني مدفوعاً لقول ما قد يبدو في الأروقة الدبلوماسية من المحرمات المغلظة: اصنعوها، إن كنتم قادرين على ذلك. نعم، أوجه حديثي لصناع القرار هناك، فرغم أن الوقت قد تأخر كثيراً جداً، إلا أن قاعدة البقاء باتت واضحة؛ فلكي لا يتم سحقنا وإعادتنا إلى العصر الحجري، لم يعد هناك من مفر سوى العبور بخطى ثابتة نحو العصر النووي. إن هذه الدعوة لكسر “العتبة النووية” لا تنبع إطلاقاً من عشقٍ ساديٍ للحروب المدمرة أو ولعٍ بأسلحة الدمار الشامل، بل تنطلق من دافعٍ معاكسٍ تماماً؛ إنها الرغبة العقلانية الخالصة في حماية ما تبقى من الشرق الأوسط، ووقف آلة الخراب التي يديرها تحالف متعصب من غلاة المتطرفين والصهاينة في واشنطن وتل أبيب، والذين أثبتوا بما لا يدع مجالاً للشك أنهم لا يفهمون سوى لغة القوة الغاشمة والتهديد الوجودي.
في هذا السياق المعقد، حيث تُداس القوانين الدولية تحت جنزير الدبابات، لا يسعني إلا أن أستحضر الرؤية الثاقبة التي طرحها منظر “الواقعية الجديدة” في العلاقات الدولية، كينيث والتز، في مقاله الشهير بمجلة “فورين أفيرز” عام 2012، والذي حمل عنواناً يكتسب راهنيته اليوم أكثر من أي وقت مضى: “لماذا يجب أن تمتلك إيران القنبلة؟”. جوهر الأطروحة هنا لا يتعلق بالتقييم الأخلاقي لـ “جودة” السلاح النووي، بل بأثره البنيوي العميق على سلوك الدول داخل نظام عالمي وإقليمي يتسم بالفوضى وغياب الحاكمية. يجادل والتز، انطلاقاً من صميم المنطق الاستراتيجي، بأنه عندما تُبتلى منطقة ما باختلال حاد ومزمن في موازين القوى، فإن الطرف المهيمن (وهو هنا التحالف الأميركي-الإسرائيلي) يجد نفسه أمام إغراء دائم ومفتوح لممارسة أقصى درجات الضغط، والتهديد، بل واستخدام القوة العسكرية المنفلتة دون رادع.
هنا يبرز الدور المحوري للردع النووي، لا بوصفه أداة لشن الحروب، بل كأداة هندسية لتعديل هذا الاختلال المعيب، ورفع كلفة المغامرات العسكرية لتصل إلى مستوى الانتحار المتبادل. وفقاً لهذا المنطق الصارم، يتحول السلاح النووي إلى أداة لفرض “الاحتياط” والتروي؛ إذ تدرك الدول المنخرطة في الصراع أن أي خطأ في الحسابات، أو أي تهور مبني على فائض القوة التقليدية، لن يقود إلى نصر عسكري خاطف، بل سيؤدي حتماً إلى دمار متبادل مؤكد. ولهذا السبب تحديداً، وخلافاً لكل السرديات التقليدية المناهضة للانتشار النووي، كان والتز يرى أن تحول لاعب إقليمي جديد في الشرق الأوسط إلى قوة نووية لن يشعل المنطقة، بل على العكس، سيجبر الأطراف المنفلتة على تبني سلوك أكثر حذراً ومحافظة، مما يؤدي في النهاية إلى خفض مستويات التوتر والانفلات العسكري.
وعند تنزيل هذه المقاربة النظرية على أرض الواقع الإقليمي المشتعل، نصل إلى نتيجة حتمية مفادها أن الردع النووي كان، ولا يزال، الكفيل الأوحد بخلق حالة من “السلام السلبي”، أو ما يمكن تسميته بالاستقرار المبني على توازن الرعب، وذلك بدلاً من ترك الساحة مفتوحة للحروب الاستباقية والمغامرات العسكرية الأميركية والإسرائيلية التي تعيث في الأرض فساداً. إن المعضلة الكبرى في الشرق الأوسط، كما شخصها والتز وكما نراها نحن اليوم رأي العين، تكمن في “التفوق غير المتماثل” وغياب التوازن الرادع. وبالتالي، فإن ترميم هذا الخلل عبر امتلاك قدرة نووية فعلية سيقضي على الحوافز التي تدفع المحور الإسرائيلي-الأميركي لشن هجمات مباشرة، لأن أقوى الجيوش وأكثرها تسليحاً سيفكر ألف مرة قبل الإقدام على حماقة قد تُقابل برد كارثي يهدد وجوده ذاته. في غابة الشرق الأوسط الحالية، أثبتت التجربة المريرة أن خفض التصعيد وحماية الأوطان لا يتحققان عبر استجداء المواثيق، أو بناء الثقة الموهومة، أو رفع شعارات السلام العاجزة، بل يتحققان حصراً عبر “الاحتواء البنيوي”؛ حيث تُجبر الدول، بدافع الخوف والرعب من العواقب الكارثية، على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس.
