السبت, أبريل 18, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيفخ "ميثاق إسلام آباد"!.. بقلم لطفي الشناوي

فخ “ميثاق إسلام آباد”!.. بقلم لطفي الشناوي

سودان تمورو

تطل علينا الدبلوماسية الإقليمية بمبادرة جديدة، تتصدرها وساطة باكستانية تتقاطع في ملامحها الكبرى مع طروحات رُوجت مؤخراً في أروقة مراكز الأبحاث الغربية، وتحديداً عبر مجلة “فورين أفيرز”. جوهر هذا المقترح، الذي سُمي إعلامياً بـ “ميثاق إسلام آباد”، يبدو للوهلة الأولى مغرياً وعقلانياً؛ إذ يقايض فتح مضيق هرمز وضمان العبور الآمن للسفن بالتعاون مع عُمان، بوقف مؤقت لإطلاق النار، مع وعود بفتح الباب أمام مبيعات النفط الإيراني وعودة عائداته بشكل آمن. في ظاهره، يبدو هذا البند واقعياً كونه يلامس عصب السوق المشتعل للطاقة ويغازل حاجة الاقتصاد الإيراني، لكن الغوص في عمق هذه المعادلة يكشف عن فخ جيوسياسي يعيد إنتاج أخطاء الماضي بخطورة مضاعفة.

الإشكالية الجوهرية في هذا الطرح تكمن في مطالبته لطهران بالتخلي الفوري عن أهم أوراقها الاستراتيجية وأكثرها ردعاً، وهو السيطرة على العنق المائي في مضيق هرمز، مقابل مكاسب عينية لا تتجاوز “هدنة مؤقتة”، مصحوبة بوعود هلامية حول مفاوضات مستقبلية لتذليل العقبات الاقتصادية. إنها ذات المتلازمة الكلاسيكية لعدم التنازل المتكافئ التي شهدناها في تجربة الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة)؛ حيث تُقدم طهران خطوات فنية وجيوسياسية سريعة وحاسمة، لتتلقى في المقابل منافع اقتصادية أميركية مبهمة، هشة، وقابلة للارتداد في أي لحظة. ففي ظل هذا المقترح، تفرط إيران في ورقة ضغطها القصوى منذ اليوم الأول، دون أي ضمانات حقيقية وواضحة المعالم حول طبيعة التراخيص البنكية، أو المسارات المالية الآمنة، أو شركات التأمين، أو حتى حجم الإعفاءات النفطية التي ستُطبق على أرض الواقع، ناهيك عن أن هذه الهدنة المؤقتة تمنح واشنطن وتل أبيب فرصة ذهبية لالتقاط الأنفاس وإعادة ملء ترسانتهما العسكرية استعداداً للجولات القادمة.

لكن الخلل الاستراتيجي الأعمق في مبادرات من عينة الوساطة الباكستانية، هو سعيها لاختزال أزمة إقليمية شديدة التعقيد والتشابك في مجرد “معادلة ثنائية فورية” بين طهران وواشنطن. فهذا الإطار الدبلوماسي ينطلق من نقطة عزیمة تضع احتواء التوتر وفتح قنوات الاتصال مع الأميركيين كأولوية قصوى، مفترضاً أن حلحلة العقدة مع الولايات المتحدة – عبر فتح المضيق، وتجميد التصعيد، والحديث عن رفع للعقوبات ومحددات نووية وضمانات سلام – هو المفتاح السحري لإنهاء الحرب. وهنا تتجلى الهشاشة التحليلية لهذه الوساطات؛ فهي تنظر إلى الأزمة من ثقب إبرة “الهدنة والاقتصاد والمفاوضات”، متجاهلة حقيقة ميدانية وسياسية صارخة.

إن إيران لا تواجه اليوم لاعباً واحداً، بل تنخرط في صراع مع طرفين (الولايات المتحدة وإسرائيل) لا يمتلكان بالضرورة أهدافاً متطابقة. فإذا كانت الإدارة الأميركية، لضرورات انتخابية أو جيوسياسية، قد تميل في بعض المنعطفات إلى إدارة الأزمة، وضبط إيقاع التكاليف، وانتزاع تنازلات محددة من طهران، فإن المنظور الإسرائيلي يقف على النقيض تماماً. إسرائيل بقيادتها الحالية تجد في استدامة هذه الأزمة، وفي استنزاف البنى التحتية الإقليمية، وإضعاف قدرات الخصوم وتفكيك أي تسوية محدودة، مصلحة وجودية واستراتيجية عليا.

وعليه، فإن أي وساطة تُهندس حلولها على مقاس تقليص الحرب إلى مجرد أزمة علاقات بين طهران وواشنطن، هي وساطة تولد عمياء عن رؤية الضلع الأكثر دموية في المعادلة. قد تنجح خطط مثل “ميثاق إسلام آباد” في تجميد النيران لأيام أو أسابيع، وقد تُنعش الآمال الدبلوماسية مؤقتاً، لكنها تبقى منقوصة سياسياً وساذجة استراتيجياً. فما دام الدور الإسرائيلي المستقل، بأهدافه التدميرية المتمايزة تماماً عن أجندة التهدئة، خارج الحسبان المركزي لأي طاولة تفاوض، فإن الحديث عن مقايضة المضيق بالوعود ليس سوى شراءٍ لوهم سلام، بثمن استراتيجي لا يمكن تعويضه.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات