سودان تمورو
لم يكن إعلان الرئيس الأمريكي الأخير بشأن فرض حصار شامل على مضيق هرمز وملاحقة السفن التي تدفع رسوم العبور لإيران مجرد تهديد عسكري عابر، بل هو في جوهره “وثيقة اعتراف” هي الأكبر في القرن الحادي والعشرين بانكسار الهيمنة الأمريكية وتخبطها أمام واقع جيوسياسي جديد. إن ما يطرحه ترامب اليوم لا يخرج عن كونه مقامرة انتحارية، حيث يظن أن القوة الخشنة وحدها قادرة على ليّ ذراع الجغرافيا والتاريخ، لكنه في الحقيقة لا يفعل شيئاً سوى تسريع وتيرة انهيار المنظومة الغربية التي تقودها واشنطن، فالعالم الذي يراه ترامب من نافذة “البلطجة الاقتصادية” لم يعد موجوداً، ومحاولة خنق شريان الطاقة العالمي في لحظة فارقة كهذه تعني أن البيت الأبيض قد قرر المضي قدماً في سياسة “الأرض المحروقة” التي ستكتوي بها الأسواق العالمية قبل غيرها.
إن الحماقة التي يبديها ترامب في إصراره على المواجهة الصفرية تأتي في توقيت قاتل بالنسبة للداخل الأمريكي، حيث تتأهب الولايات المتحدة لاستضافة حدث عالمي بحجم “كأس العالم”، وهو الحدث الذي يفترض أن يكون واجهة للقوة والازدهار والأمن. كيف يمكن لإدارة غارقة في “رعونة” التهديد بإغلاق الممرات الملاحية الدولية ومصادرة السفن في أعالي البحار أن تضمن استقرار اقتصادها الذي بدأ يئن تحت وطأة الديون والتضخم؟ إن أي مغامرة عسكرية في مضيق هرمز لن تكون مجرد نزهة لتطهير الألغام كما يزعم، بل ستكون بمثابة رصاصة الرحمة على ما تبقى من سمعة الاقتصاد الأمريكي، فالمستثمر لا يبحث عن بيئة تقرع طبول الحرب، والعناد الذي يبديه ترامب سيجعل الاقتصاد الأمريكي يركع مرغماً أمام ارتدادات أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد التي لن تستثني أحداً.
وعلى الجانب الآخر، يبدو أن هناك سوء تقدير عميق في واشنطن لطبيعة الأوراق التي تمتلكها طهران؛ فمضيق هرمز، والبرنامج النووي، والقدرات الصاروخية، ليست مجرد ملفات للتفاوض، بل هي جزء لا يتجزأ من استراتيجية سيادية وقانونية تفرضها إيران كحقوق غير قابلة للتصرف. إن العالم اليوم لا يملك ترف الوقت، وربما لا تفصلنا سوى أسابيع قليلة قبل أن يجد الجميع أنفسهم في مواجهة “حافة الهاوية” التي يدفع ترامب العالم نحوها. إن أي سياسي مبتدئ يدرك تماماً أن محاصرة مضيق هرمز ليست سوى “هرطقة” سياسية وميدانية، فلن يحصد الغرب من وراء هذه التهديدات الجوفاء سوى تدمير ما تبقى من مصالحه واستنزاف قدراته في معركة خاسرة سلفاً، فالتاريخ لا يرحم القادة الذين يخلطون بين إدارة الصراعات وبين إشعال الحرائق في بيوتهم قبل بيوت الآخرين.
