الأربعاء, أبريل 15, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف تعصف حرب أميركا وإيران بأمن القارة العجوز؟.. بقلم حسن طه

كيف تعصف حرب أميركا وإيران بأمن القارة العجوز؟.. بقلم حسن طه

سودان تمورو

بغض النظر عما إذا كان اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران سيصمد أم لا، فإن رحى الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد ألقت بظلالها الثقيلة على مسار إعادة التسليح الأوروبي ودعم أوكرانيا، لتزيده تعقيداً على تعقيده. وفي خضم هذه التحولات، تتآكل يوماً بعد يوم الثقة المتبقية في واشنطن كضامن موثوق للأمن الأوروبي. ولتأسيس منظومة دفاعية ذات جذور راسخة، بات لزاماً على العواصم الأوروبية أن تفك ارتباطها العضوي والخطير بالتقلبات السياسية الأميركية، والاختناقات الصناعية، وتحويل مسار المعدات الدفاعية الذي تفرضه ضرورات الحرب.

وعلى الرغم من الشكوك العميقة التي طالما ساورت الأوروبيين حيال الالتزام الأميركي بأمن قارتهم، إلا أنهم لا يزالون يتكئون بشكل مفرط على الولايات المتحدة لتحديث ترساناتهم وتأمين تدفق السلاح إلى كييف. وقد جرى تبرير هذا الارتباط الوثيق بذرائع سياسية، مفادها أن صفقات السلاح الأميركية هي الضامن الأهم لبقاء حيوية العلاقات عبر الأطلسي. غير أن اندلاع الحرب الأميركية ضد إيران قد نسف هذه المقاربة من جذورها، وأثار موجة عاتية من الهواجس المستجدة حول مدى جدية واشنطن في التزامها بأمن القارة العجوز وأوكرانيا على حد سواء.

ولا يقتصر الخطر على الأبعاد السياسية فحسب، بل يمتد إلى الصعيد العملياتي؛ إذ يضع هذا الصراع الشرق أوسطي قدرة واشنطن على تسليم الأسلحة لأوروبا وأوكرانيا في مواعيدها المحددة على المحك. فالولايات المتحدة استنزفت كميات هائلة من مخزونها الإستراتيجي في هذه الحرب، ولنا في لغة الأرقام خير دليل؛ فبالنظر إلى معدل الإنتاج الحالي لصواريخ “توماهوك” البالغ 85 صاروخاً سنوياً، فإن تعويض ما يقرب من 850 صاروخاً تم إطلاقها في غمرة الصراع سيستغرق نحو عشر سنوات كاملة.

ومن الطبيعي، وفقاً لقواعد الإستراتيجية، أن تمنح واشنطن الأولوية المطلقة لإعادة بناء مخزوناتها الخاصة على حساب احتياجات حلفائها في أوروبا وأوكرانيا. وهذا التحول ليس تكهناً مستقبلياً بل واقعاً ملموساً بدأ يفرض نفسه؛ ففي شهر مارس الماضي، أُبلغت سويسرا بأن طلبيتها المكونة من 5 منظومات دفاع جوي من طراز “باتريوت” ستواجه تأخيراً يمتد لخمس سنوات. وعلاوة على ذلك، ستؤدي التداعيات الاقتصادية للحرب إلى كبح جماح نمو صناعة الدفاع الأوروبية، نتيجة لتباطؤ النمو الاقتصادي وتزايد الضغوط الخانقة على الموازنات الحكومية. إن تضافر هذه الضغوط الاقتصادية والتقنية والسياسية من شأنه أن يوسع “نافذة الضعف” الأوروبية لتصبح أكثر عمقاً وخطورة؛ حيث ستتلقى أوكرانيا دعماً أقل وبوتيرة أبطأ، في حين سيتعثر الأوروبيون في سباقهم لتعزيز قدراتهم الذاتية، مما يهيئ مساحة إستراتيجية قد تغري موسكو بالاستنتاج بأن ميزان المخاطر بات يميل لصالح تصعيد عسكري جديد.

ولإغلاق نافذة الضعف المفتوحة هذه بأقصى سرعة ممكنة، يتعين على أوروبا تبني مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الترقيعية. تبدأ هذه المقاربة بضرورة مضاعفة الاستثمارات في المنظومات العسكرية المحلية لكسر قيود التبعية للخارج في القطاعات الحيوية. ولتجاوز العقبة التاريخية المتمثلة في ضعف حجم الإنتاج، يجب الانتقال نحو إبرام صفقات شراء مشتركة ومنسقة تضمن تجميع الطلب، وخفض التكاليف، وبناء مخزونات إستراتيجية موثوقة. بالتوازي مع التخلي عن الأسلحة الأمريكية.

وأخيراً، وأمام واقع “التبعية الهيكلية” التي فرضتها الطلبيات الأوروبية الضخمة لمنظومات الدفاع الجوي والأسلحة الهجومية بعيدة المدى الأميركية، يجب على صناع القرار في أوروبا التحرك لتقليص هذه المخاطر. ويتمثل الحل الأمثل في ممارسة ضغوط ملموسة لفض الشراكة مع الشركات الأميركية و تأسيس خطوط إنتاج كاملة على الأراضي الأوروبية. ورغم صعوبة تطبيق هذا الشرط، إلا أنه يجب أن يكون ركيزة أساسية في أي خطواات مستقبلية؛ فتوطين عمليات الإنتاج والصيانة والدعم الفني داخل القارة هو السبيل الوحيد لتحصين أوروبا من صدمات انقطاع سلاسل التوريد، والابتعاد عن التكنولوجيا التي تحمل الختم الأميركي.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات