سودان تمورو
لعقود طويلة، ارتكز النظام الاقتصادي العالمي على معادلة بسيطة وحاسمة عُرفت بنظام “البترودولار”، وهي صيغة التزمت بموجبها المملكة العربية السعودية ودول الخليج ببيع نفطها حصرياً بالدولار الأمريكي، وإعادة استثمار تلك العوائد الضخمة في الأصول والسندات الأمريكية. في المقابل، تعهدت واشنطن بتوفير مظلة أمنية صلبة تحمي هذه الدول وتضمن استقرارها. كانت تلك الهندسة الجيوسياسية، التي صاغها ببراعة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، بمثابة انتصار دبلوماسي ساحق؛ إذ لم تقتصر نتائجها على إبقاء العواصم الخليجية في فلك التحالف مع واشنطن، بل أوجدت طلباً عالمياً هائلاً على الدولار والأسلحة الأمريكية، مما أبقى تكاليف الاقتراض الأمريكي منخفضة ورسخ الهيمنة المطلقة للعملة الخضراء على مفاصل الاقتصاد العالمي.
لكن الرياح اليوم تجري بما لا تشتهي السفن الأمريكية؛ فالسياسات المتهورة التي تتخذها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وصولاً إلى النهج الذي أرساه دونالد ترامب وتداعياته المستمرة في قلب موازين الشرق الأوسط، كشفت عن حقيقة صادمة لحلفاء واشنطن الإقليميين. لقد تحولت الولايات المتحدة، من ضامن تاريخي للأمن والاستقرار، إلى مصدر رئيسي للفوضى ومحرك للاضطرابات والنزاعات المفتوحة في المنطقة. هذا التحول العميق لم يأتِ من فراغ، بل تزامن مع تحولات بنيوية في أسواق الطاقة، أبرزها ثورة النفط الصخري الأمريكي والتغيرات السياسية في دول مثل فنزويلا، مما كشف بوضوح عن استراتيجية واشنطن الجديدة: تقليص الاعتماد على مصادر الطاقة التي تقع خارج سيطرتها المباشرة، وهو ما يعني بلغة المصالح أن دول الخليج لم يعد بإمكانها الرهان بشكل مطلق على الحليف الأمريكي.
لقد وجهت الحرب الحالية والتوترات المتصاعدة ضربة قاصمة للركن الأمني من معادلة “البترودولار”. فالمظلة الأمنية الأمريكية التي طالما تباهت بها واشنطن أثبتت عجزها وفشلها في حماية حلفائها الخليجيين من التهديدات المتنامية والضربات الإيرانية. وما زاد الطين بلة هو الدور المباشر الذي لعبته الإدارة الأمريكية، جنباً إلى جنب مع إسرائيل، في إشعال فتيل هذه النزاعات والقيام بمغامرات عسكرية دون أدنى تشاور أو إنذار مسبق لحلفائها الإقليميين، في تجاهل تام وصارخ لمصالحهم وأمنهم القومي.
عندما تضع هذه الحرب أوزارها، ستجد دول المنطقة نفسها وجهاً لوجه أمام فاتورة باهظة من الخسائر. ولعل الأشد فداحة من الدمار المادي المباشر، هو النسف الممنهج للنموذج الاقتصادي الذي كانت تطمح إليه المنطقة. فخطط التنويع الاقتصادي الطموحة التي أطلقتها العواصم الخليجية بهدف التحول إلى مراكز عالمية للمال والتجارة والتكنولوجيا، باتت مهددة بالتبخر في ظل مناخ إقليمي تسيطر عليه حالة من عدم اليقين المزمن وانعدام الأمن الجاذب للاستثمارات.
نحن اليوم أمام مشهد مفصلي يضع نظام “البترودولار” في غرفة العناية المركزة. ومع احتضار هذا النظام، تنهار آلية “إعادة تدوير البترودولار” التي شكلت طوق النجاة للاقتصاد الأمريكي على مدار نصف قرن من الزمن، حافظت خلالها على تدني تكلفة الاقتراض. إن ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة جيوسياسية عابرة في الشرق الأوسط، بل هو انهيار متسارع لأحد أهم الأعمدة التي استندت إليها التفوق الاقتصادي والهيمنة الأمريكية على العالم.
