السبت, يونيو 6, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيلماذا لم يعد أمام طهران سوى "الردع النووي"؟.. بقلم أمين عبدالرؤوف

لماذا لم يعد أمام طهران سوى “الردع النووي”؟.. بقلم أمين عبدالرؤوف

سودان تمورو

عندما نتحدث عن “الصفقة” مع دونالد ترامب، وعندما يراد تقرير مستقبل إيران الدفاعي ومسألة الردع ومعادلة البقاء والقوة، فلا ننسى تاريخاً مفصلياً: الثلاثاء 7 أبريل 2026. في ذلك اليوم، كتب الرئيس الأميركي على منصته الاجتماعية: “الليلة ستموت حضارة كاملة، ولن تعود أبداً”. لم يكن هذا مجرد تهديد موجه ضد حكومة أو نظام، بل كان حديثاً عن إيران جغرافياً، وعن ذاكرة تاريخية، وعن 90 مليون إنسان تحولوا في قاموسه إلى مجرد مشروع للإبادة والزوال.

في عالم السياسة، ثمة لحظات “تمر” وأخرى تحفر مكانها في جسد العالم. ومن أهم الرؤى التي طرحتها الفيلسوفة حنة أرنت أن الفعل السياسي، على عكس الكثير من الأفعال البشرية الأخرى، يحمل طابعاً لا رجعة فيه. ما يُقال أو يُفعل لا يمكن إعادته إلى الوراء ببساطة؛ بل يمكن فقط محاولة احتواء تداعياته أو إيجاد الرد المناسب عليه. من هذا المنظور، فإن كلمات ترامب قد أدت غرضها منذ اللحظة التي نُشرت فيها. وحتى لو لم تنتهِ الأمور إلى ضربة نووية، وحتى لو اتخذت الحرب مساراً آخر، فإن تلك العبارة قد اقتحمت العالم وتركت بصمتها الغائرة على الوجدان والذاكرة والحسابات السياسية للإيرانيين.

لا ينبغي تقزيم هذا الحدث وإدراجه ضمن خانة الضجيج الإعلامي المعتاد، أو اعتباره مجرد زلة لسان من زلات ترامب المتهورة والعدائية. لم تكن تلك مجرد تغريدة، بل كانت سلاحاً مصوباً. لقد شعر الإيرانيون -في الداخل والخارج- بوطأة تلك الكلمات بأجسادهم وأرواحهم، فثقل العبارة لم يكن من جنس الأخبار العادية أو الاستعراضات اليومية. عندما يتحدث رئيس قوة عظمى عن “موت حضارة”، فإن هذا الخطاب بحد ذاته يمثل جزءاً أصيلاً من العنف. هنا، لا يكتفي التعبير اللغوي بالوصف، بل يفعل فعله؛ يرهب، ويذل، ويرسم أفق الفناء أمام أعين أمة بأكملها.

ولهذا السبب تحديداً، يجب أخذ الجملة الختامية لترامب على محمل الجد عندما قال: “ليحفظ الله شعب إيران العظيم”. للوهلة الأولى، قد يبدو هذا التناقض مثيراً للسخرية، كونه يمزج بين التهديد الماحق والدعاء بالخير. لكن في تاريخ العنف البشري العظيم، لا يبدو هذا المزيج غريباً أو غير مسبوق. فأولئك الذين ارتكبوا دماراً واسع النطاق نادراً ما وصفوا أنفسهم بالمدمرين، بل نصبوا أنفسهم منقذين، وحملة لراية الضرورة، وصناعاً للتحرر، أو فاعلين للشر باسم الخير الأعظم. إن تلازم لغة “اللطف” مع لغة “المحو” ليس صدفة، بل هو جزء من المنطق الداخلي للسلطة التي تسعى لتقديم الإبادة في عباءة الخلاص.

إن أرشيف الاستعمار والتدخلات والاحتلال وهندسة العنف يعج بمثل هذه النبرة. فالذين سحقوا عوالم الشعوب الأخرى تحدثوا غالباً بمفردات الحضارة والتقدم والنظام والإنقاذ. هذه الآلية هي التي تمنح مرتكبي العنف القدرة على توهم البقاء في موقع أخلاقي، وتسمح للمتفرجين بتقبل الكارثة بضمير مرتاح.

بالنسبة للمراقب للأزمة، لا تقتصر المسألة على ما فعله ترامب أو ما لم يفعله، بل تكمن الكارثة فيما جعله “ممكناً ومستباحاً”. عندما يتحدث الرئيس الأميركي علانية عن إمكانية إبادة حضارة، فإن مستوى النقاش يتغير جذرياً. من تلك اللحظة، لم يعد بالإمكان الحديث عن الأمن والتفاوض والردع والمستقبل الدفاعي بنفس اللغة القديمة، أو بنفس السذاجة التي تفترض أن أقصى درجات التهديد لا تتعدى الضغوط الاقتصادية أو الضربات المحدودة. إن من يتحدث عن إبادة حضارة قد أعاد رسم الحدود، والأمة التي تسمع هذا التهديد لم يعد يحق لها رؤية العالم بنظارات الأمس. ولعل الأخطر هنا هو أن يعتاد العالم تدريجياً على سماع مثل هذه التصريحات، وأن يتحول التهديد بالإبادة -وسط زحام الأخبار والتحليلات- إلى مجرد صوت عادي من أصوات العصر. ومقاومة هذا التطبيع ليست مهمة محصورة في أروقة الدبلوماسيين أو مكاتب القانونيين.

لقد أثبتت المؤسسات الدولية والقانون الدولي عجزها التام عن منع ترامب من الإفصاح العلني عن نوايا الإبادة الجماعية. فالنظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية صُمم بطريقة تجعل الولايات المتحدة تفرض القواعد والمؤسسات الدولية على الآخرين، بينما تعفي نفسها من أي التزامات قسرية. واشنطن ليست عضواً في نظام روما الأساسي، وإدارة ترامب سبق أن فرضت عقوبات على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، بل إن المحكمة العليا الأميركية في قرارها لعام 2024 سدت الطريق أمام أي ملاحقة داخلية لـ “الأفعال الرسمية” للرئيس، مهما بلغت درجة عدم قانونيتها. فأين الحل إذن في مواجهة تهديد الإبادة؟

هنا نعود حتماً إلى مربع “الردع النووي”. فالردع لا يعني مجرد “القدرة على توجيه ضربة”، بل يرتكز في جوهره النظري على إقناع الخصم بأنه إذا أقدم على فعل وجودي أو مدمر -كإبادة حضارة- فإنه سيواجه رداً يكلفه أثماناً لا يمكن تحملها.
وللردع ثلاثة أركان لا غنى عنها: القدرة الفعلية، وبقاء هذه القدرة بعد تلقي الضربة الأولى، والمصداقية السياسية والنفسية في عين العدو. وإذا غاب ركن واحد، انهار الردع بأسره.

في هذا السياق، يختلف الردع النووي جذرياً عن الردع التقليدي. فالأسلحة التقليدية، من صواريخ ومسيرات وحروب بحرية وإغلاق للمضايق، قادرة على إلحاق الأذى ورفع التكلفة، بل ودفع العدو للحذر في مستويات معينة. لكنها تقف عاجزة أمام إيقاف تهديد وجودي شامل. لماذا؟ لأن الخصم قد يحسب حساباته ويستنتج أنه رغم هذه التكاليف، لا يزال قادراً على توجيه ضربة قاضية والنجاة من رد مساوٍ لها في القوة. هنا تتجلى القيمة المطلقة للردع النووي: فهو الأداة الوحيدة القادرة على الرد على التهديد بالإبادة الشاملة بتهديد مماثل بالإبادة الشاملة.

إن جوهر نظرية الردع النووي يكمن في إدراك العدو أنه حتى لو بادر بالهجوم الأول، فلن يتمكن من الإفلات من العقاب المدمر، وهو ما يُعرف بـ “قدرة الضربة الثانية”. فلا يكفي امتلاك السلاح النووي فحسب، بل يجب أن يكون محصناً وقادراً على البقاء بعد الهجوم المباغت. وإذا تيقن العدو أن هذه ليست مجرد شعارات، وأن متخذ القرار مستعد فعلياً لاستخدامها، فإن احتمالية إقدامه على الحماقة تتلاشى. فالردع في نهايته هو لعبة إدراك؛ لا يهم ما تملكه فقط، بل ما يعتقد العدو أنك تملكه وتجرؤ على استخدامه.

من هذه الزاوية، قد تنجح القدرات الصاروخية الإيرانية أو إغلاق مضيق هرمز في إرباك الاقتصاد العالمي وخلق أزمات خانقة، لكنها لا ترقى لتكون معادلاً موضوعياً لتهديد يمس بقاء الحضارة ذاتها. إنها أدوات تفرض تكلفة، لكنها لا تخلق “ضرراً متبادلاً غير مقبول” يكفي لردع قوة عظمى عن تنفيذ تهديدها الوجودي. وهنا يبرز الاستنتاج الحتمي الذي يطرحه أنصار الردع النووي: وحدها القدرة النووية القابلة للبقاء هي ما يلغي هذا التباين المرعب. فإذا كان خصمك قادراً على تهديد حضارتك بالفناء، فيجب أن تكون قادراً على تهديد بقائه هو الآخر. وفق هذا المنطق القاسي، لا يُبنى السلام على أساس الأخلاق، بل على أساس الرعب المتبادل؛ حيث تتوقف الحرب النووية لسبب وحيد: إدراك الطرفين أن نتائجها ستكون كارثية على الجميع.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات