سودان تمورو
يشكّل تشديد القيود على مضيق هرمز صدمةً استراتيجية للاقتصاد العالمي تتجاوز بعدها الطاقوي لتطال البنى الاجتماعية والسياسية في الدول الغربية وأستراليا، إلى جانب دول شرق آسيا وعدد كبير من دول العام. لكن الآثار البادية في الاقتصاد الغربي، وفي أستراليا، تظهر بعداً أكثر خطورة من أبعاد هذه التأثيرات.
فارتفاع أسعار الطاقة يضغط على القدرة الشرائية ويعيد إنتاج أزمات تضخمية، ما يضعف التماسك الاجتماعي ويغذي النزعات الشعبوية. وفي ظل هذه الضغوط، تميل بعض الوحدات الفدرالية إلى تأمين مواردها بشكل منفصل، كما في أستراليا الغربية وبعض الولايات الأميركية، ما يكشف عن توترات كامنة داخل الأنظمة الدستورية. بذلك، تتحول أزمة الطاقة إلى اختبار عميق لوحدة الدولة وقدرتها على إدارة الموارد في لحظة ندرة.
ويمثل المضيق أحد أكثر نقاط الاختناق حساسية في الاقتصاد الدولي، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية، إضافة إلى نسب كبيرة من تجارة الأسمدة والمواد الأولية الصناعية. أي تشديد على هذا الممر يتحول فوراً إلى صدمة عرض عالمية (Global Supply Shock) تؤثر في الأسعار، وسلاسل التوريد، وتوازنات القوة الاقتصادية.
في السياق، أدى تقييد المرور عبر المضيق إلى انخفاض حاد في التدفقات النفطية من نحو 20 مليون برميل يومياً إلى مستويات أدنى بكثير، مع ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد. هذه الدينامية أنتجت تأثيرات متسلسلة امتدت من أوروبا إلى أستراليا، مروراً بالاقتصاد الأميركي.
الصدمة الاقتصادية
تعتمد أوروبا جزئياً على الغاز الطبيعي المسال المنقول من الخليج، حيث يصل نحو 12–14% من وارداتها عبر المضيق. وعند تعطله، ارتفعت أسعار الطاقة فوراً، كما حدث عندما تضاعفت أسعار الغاز الأوروبية خلال أيام قليلة من الأزمة.
وتنعكس هذه الصدمة عبر ثلاث قنوات:
– ارتفاع تكاليف الطاقة المنزلية، الذي يترجم بزيادة فواتير الكهرباء والتدفئة.
– ارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعي، حيث تتراجع القدرة التنافسية.
– ارتفاع أسعار الغذاء، بسبب زيادة أسعار الأسمدة التي ارتفعت بنحو 50%.
وبالنتيجة، عاد شبح الركود التضخمي (Stagflation) حيث يجتمع التضخم المرتفع مع تباطؤ النمو، وهو ما اعتبره محللون أخطر من أزمة الطاقة في 2022 التي أعقبت بداية الحرب في أوكرانيا.
وإلى جانب ما يحدث في أوروبا والولايات المتحدة، تعتبر أستراليا نموذجاً مركباً لمظاهر هذه التداعيات السلبية. فهي من جهة، مصدّر رئيسي للغاز الطبيعي (LNG)، ما يسمح لها بالاستفادة من ارتفاع الأسعار عالمياً. ومن جهة أخرى فهي تعتمد على استيراد الوقود المكرر، ما يجعلها عرضة لارتفاع الأسعار داخلياً.
وقد أدت الأزمة الحالية إلى ارتفاع أسعار الوقود والتضخم، اضطراب في سلاسل الإمداد الزراعي والصناعي، تراجع الثقة الاقتصادية، واحتمال انكماش النمو. بل إن الأزمة وصلت إلى حد تحذير رسمي من أنها تمثل لحظة خطيرة للاقتصاد العالمي، مع تأثير مباشر على الأسر الأسترالية.
التداعيات الاجتماعية: ضغط على العقد الاجتماعي
إن الأثر الاقتصادي لا يبقى محصوراً في الأسواق، بل ينتقل سريعاً إلى النسيج الاجتماعي. وأول التداعيات تأتي على شكل تآكل القدرة الشرائية، لأن ارتفاع أسعار الوقود ينعكس على النقل والغذاء والسلع الأساسية. ما يؤدي إلى انخفاض فعلي في الدخل الحقيقي للأسر، خصوصاً الطبقات الوسطى والدنيا.
وحينئذٍ، تتصاعد الاحتجاجات وعدم الرضا، خصوصاً في أوروبا والولايات المتحدة، حيث تشكل الطاقة عنصراً مركزياً في الاستقرار الاجتماعي، وأي ارتفاع حاد في الأسعار ينتج بسرعة احتجاجات شبيهة بـ”السترات الصفراء” في فرنسا، وتصاعد الشعبوية الاقتصادية، ويزيد الضغط على الحكومات لتقديم دعم مالي.
وعندما تنقبض مقادير الموارد من هذه المواد، يتحول المجتمع من حالة التضامن إلى حالة التنافس الداخلي على الموارد، تبعاً لمبدأ الندرة نفسه، وهو ما يظهر بوضوح في السياسات المحلية. لكن الأخطر، هو أن ذلك يؤدي بالنتيجة التدافعية إلى أزمة تؤثر على الوحدة داخل الأنظمة الدستورية في المجتمعات نفسها. وكثيرٌ من هذه الدول تحكمها أنظمة فيدرالية أو كونفدرالية، حيث تتسع الصلاحيات اللامركزية، خصوصاً في الشؤون الاقتصادية والمالية والخدمية، وهي الشؤون نفسها التي تتأثر أولاً بالصدمة الطاقوية.
وهنا تكمن النقطة الأكثر حساسية، حيث تنتقل الأزمة من اقتصاد الطاقة إلى بنية الدولة نفسها. ففي الولايات المتحدة يعيش النظام الفيدرالي تحت الضغط الشديد، حيث تتمتع الولايات بصلاحيات واسعة، ما يفتح المجال أمام سياسات طاقة محلية مختلفة، تنافس بين الولايات على الموارد وارتفاع احتمالات احتكار أو تقييد التوزيع.
وفي حالات الأزمات، قد تلجأ بعض الولايات الغنية بالطاقة (مثل تكساس) إلى حماية إمداداتها محلياً وتقليص تصدير الطاقة إلى ولايات أخرى. وإن لم يكن هذا الإجراء انفصالياً بالمعنى الكامل أو المباشر، إلا أنه يعكس نزعة شبه سيادية داخل الدولة، تضيف معانٍ جديدة إليها التوترات المجتمعية وقضايا المهاجرين والاستقطاب السياسي بين البيض والمهاجرين، أو ما يطلق البيض عليهم بـ”الملونين”.
أما في أستراليا، فبرزت الملامح بصورةٍ أكثر حدة، حيث قامت ولاية أستراليا الغربية بتأمين احتياطات خاصة من الوقود لسكانها، واستخدمت صلاحياتها لفرض رقابة على سلاسل الإمداد. هذا السلوك يحمل دلالات عميقة مثل انتقال القرار من المستوى الفدرالي إلى المحلي، تزايد شعور الاكتفاء الذاتي الإقليمي، وإعادة إحياء النقاشات حول استقلال الولاية، وهي نزعة تاريخية موجودة.
اقتصادياً، تتمتع مقاطعة أستراليا الغربية بقدرات هائلة، إذ تساهم بحوالى 58% من صادرات الطاقة والمعادن في البلاد، ما يمنحها أساساً مادياً لأي نزعة استقلالية. في الظروف الطبيعية، تعمل الأنظمة الفدرالية على توزيع السلطة، لكنها في الأزمات من هذا النوع، تتحول إلى نظام تنافسي بين وحدات الدولة على الموارد الحيوية، وهو ما يمثل تحولاً نوعياً من التكامل الوطني إلى التجزئة الوظيفية.
السيادة الاقتصادية الجديدة
تكشف الأزمة الحالية تحوّلاً أعمق في مفهوم السيادة من السيادة الوطنية إلى السيادة الطاقوية، أو السيادة الاقتصادية المجزأة لدى الولايات والمقاطعات، حيث لم تعد الدولة تقاس فقط بحدودها السياسية، بل بقدرتها على تأمين الطاقة وحماية سلاسل الإمداد، من أجل ضمان الاستقرار الداخلي.
يؤدي ذلك بالتدافع المنطقي إلى صعود ما يشبه قوميات طاقوية، تظهر اتجاهات مثل تخزين الطاقة محلياً وتقييد عمليات التصدير، لإعطاء الأولوية للسكان المحليين. وذلك بموازاة حاجة ملحّة للنظام الفيدرالي لخدمة مقاطعات أخرى. فهذه الأنظمة تضع موازناتها على أساس أن موارد الطاقة في ولاية ما، هي أصل استراتيجي للدولة كلها، وليس لسان الولاية بذاتها.
ويفضي تشكل هذا المفهوم، أو توسعه، إلى تراجع نمط العولمة في مجال الطاقة، ما يؤكد مرةً جديدة هشاشة النظام العالمي الحالي، وعدم اتساقه والحقائق الاقتصادية الأساسية التي بنيت عليها الأنظمة الاقتصادية. وهذه إشكالية كبرى تستحق معالجتها على مستوى المنظرين الاقتصادين، استناداً إلى تجربة أن العولمة الاقتصادية بشكلها الحالي لم تعمل بصورةٍ كفوءة سوى للمحة من الزمن في عمر الدول، منذ نشأتها في نهاية السبيعينيات من القرن الماضي، وبداية انتشاره في أوخر الثمانينيات، وصولاً تسيدها النظام في التسعينيات وفي القرن الجديد.
إذن، تتأكد هشاشة النظام القائم على الاعتماد المتبادل المفرط، والأسواق المفتوحة فوق الدول وعبرها. وتدفع الأزمة نحو إعادة توطين الإنتاج، تنويع مصادر الطاقة، وتسريع التحول نحو الطاقات البديلة، وهي عملية طويلة ومكلفة ولا تعمل بالكفاءة نفسها التي تعمل بها مصادر الطاقة التقليدية.
أما في الأفق المستقبلي، فإن السيناريوهات تنقسم بين احتواء الأزمة بتسوية سياسية كبرى، تؤدي إلى استعادة تدفق النفط عبر المضيق واستعادة استقرار الأسعار تدريجياً، وصولاً إلى عودة التماسك الداخلي، لكن مع بقاء آثار نفسية وسياسية طويلة الأمد. أو امتداد الأزمة من خلال استمرار ارتفاع الأسعار وتعمق الانقسامات الداخلية، وصعود الشعبوية والانفصالية.
لكن السيناريو الأكثر إثارة للنقاش الآن، تبعاً لتطلعات الدول الصاعدة والكبرى، فهو إعادة تشكيل النظام العالمي، من خلال تسريع الانتقال إلى الطاقة البديلة، وإعادة توزيع مراكز القوة الاقتصادية، ثم تحول الأنظمة الفدرالية إلى نماذج أكثر مركزية أو أكثر تفككاً، من أجل الفكاك من السيناريو الخطر الذي طل برأسه حالياً، وإن كان لم يصل بعد في أي دولة حد المشروع الانفصالي الواضح.
إن الأزمة الحالية الناشئة من العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، والتي يلعب تشديد القيود على مضيق هرمز أحد عواملها، تظهر أن الطاقة ليست مجرد سلعة اقتصادية، بل أداة يعاد بموجبها تشكيل أولويات المجتمعات والدول. فمع كل ارتفاع في الأسعار، تتصدع البنى السياسية والاجتماعية.
وبالتالي، فإن حصار مضيق هرمز يعد اليوم -في ما يعنيه- اختباراً حقيقياً لقدرة الأنظمة الغربية على الحفاظ على وحدتها في ظل صدمات بنيوية في الاقتصاد العالمي، وهو اختبارٌ جديد للعقد الاجتماعي في تلك الدول، في لحظة بقاء.
