الجمعة, مايو 1, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالحرب على إيران: إعادة إنتاج التوازن... لا حسم الصراع .. شاهر الشاهر

الحرب على إيران: إعادة إنتاج التوازن… لا حسم الصراع .. شاهر الشاهر

سودان تمورو

لم ينجح ترامب في فرض رؤيته “السلام من خلال القوة” على إيران التي استطاعت امتصاس الضربة والانتقال إلى الفعل، باعتبار أنّ مجرّد بقائها هو انتصار بحدّ ذاته، وإفشال لمخطط ترامب الرامي إلى إعادتها إلى العصر الحجري.

مأزق ترامب يكمن في أنه انطلق من فرضيّة خاطئة روّج لها نتنياهو وأقنعه بها، وهي أنه وبمجرّد حدوث القصف الأميركي على إيران سيخرج الشعب الإيراني وينقلب على نظامه، وبالتالي يمكن له وضع نظام موالٍ له.

سوء تقدير، وتسرّع وإعلان مبكر للنصر. فبالنسبة لترامب، المشكلة تكمن في أنّ الشعب الإيراني استطاع التمييز بين مطالبه المعيشية وملاحظاته على أداء الحكومة، وبين عدم السماح لمحتلّ أجنبي بالتدخّل في شؤون بلاده، وبالتالي فلا مجال للمراهنة على الداخل.

لقد استطاعت طهران تحويل الجغرافيا من معطى طبيعي إلى أداة ضغط سياسي، فتحوّل مضيق هرمز من شريان تجاري إلى ورقة ضغط جيوسياسية، حيث أدّى اضطراب الملاحة إلى مخاوف من قفزات هائلة في أسعار النفط قد تتجاوز 120 دولاراً للبرميل.

حالة المقايضة التي تسعى إيران إلى فرضها ستمكّنها من تأجيل المحادثات حول برنامجها النووي، مقابل عودة الملاحة في مضيق هرمز من دون رسوم، وهو ما سيركّز عليه ترامب وبعتبره إنجازاً. بمعنى، العودة إلى ما كانت عليه الأوضاع قبل الحرب الأخيرة على إيران، وهو فيما لو تحقّق يعني العودة إلى المربّع الأول، وعدم قدرة الحرب على إحراز أيّ تقدّم.

مضيق هرمز وقدرة إيران على إغلاقه، وفرض حالة من توازن الردع، زاد من قوة طهران التفاوضية وجعل من فتح المضيق مطلباً تفاوضياً لن يتحقّق من دون ثمن.

“تسعير الجغرافيا”، وتوقّع انتقال عدوى هرمز إلى مضائق أخرى في العالم مثل مضيق ملقا، ينذر باحتمالات انتقال الصراع من مستواه الإقليمي إلى المستوى الدولي.

رغبة الولايات المتحدة في التفاوض مع إيران، لم تكن لتتحقّق لولا صمود الشعب الإيراني ومهارة المفاوض الإيراني الذي قارن بين النموذجين الليبي والكوري الشمالي، وأدرك أنّ استسلام ليبيا وتسليمها لبرنامجها النووي كان بداية الطريق لسقوط النظام فيها وتدمير الدولة الليبية.

عدم ذهاب إيران إلى الجولة الثانية من المفاوضات في إسلام آباد نابع من عدة اعتبارات، أوّلها رفضها التفاوض في ظلّ استمرار العدوان عليها، باعتبار الحصار الأميركي على السفن الإيرانية في مضيق هرمز عملاً عسكرياً ممنهجاً، وبالتالي فالحديث عن “الهدنة” غير صحيح من الناحية العملية.

استمرار نقل السلاح إلى المنطقة رغم الحديث عن “الهدنة” يدلّ على أنّ أميركا و”إسرائيل” يعدّان لحرب أكبر، فتجميد الصراع حالياً لا يعني نهاية الحرب على إيران بكلّ تأكيد.

عدم الوثوق بالتعهّدات الأميركية والرغبة في أن تكون هذه التعهّدات مكتوبة، مع ضمان عدم تكرار الاعتداءات عليها، شروط محقّة بالنسبة لإيران، وهي ما اعتبرها البعض رفعاً لسقف المطالب.

خشية طهران على سلامة فريقها المفاوض، وعدم قدرة أية دولة على التعهّد في الحفاظ على سلامتهم، تعكس مدى السلوك الإجرامي الذي وصلت إليه الولايات المتحدة و”إسرائيل”.

تخصيص طائرة باكستانية لتنقّلات وزير الخارجية الإيراني، تعكس رغبة إسلام آباد في إنجاح مهمّتها، وتفهّمها المخاوف الإيرانية ورفضها لسلوك القرصنة الأميركي.

جولات وزير الخارجية الإيراني إلى كلّ من إسلام آباد وسلطنة عمان وروسيا الاتحادية، تعكس رغبة إيران في إشراك أكبر عدد من الدول في ملف الوساطة، وتجزئة هذا الملف إلى ثلاثة ملفات، ليكون ملف مضيق هرمز من نصيب سلطنة عمان التي تتشاطأ المضيق مع إيران. بينما تبقى القضايا الأمنية بيد إسلام آباد، في حين يتمحور الدور الروسي حول قضية البرنامج النووي.

اشتراط إيران أن تكون قضية مضيق هرمز أولاً، تجعل الولايات المتحدة وكأنها لم تحقّق شيئاً، فقضية هرمز كانت نتيجة للعدوان الأميركي الأخير على إيران، وقبله كانت الملاحة في المضيق آمنة.

أما الملف النووي فروسيا جزء منه، خاصة وأنّ الخبراء الروس كانوا موجودين بقوة في مفاعل بوشهر. كما أنّ روسيا كانت جزءاً من اتفاق عام 2015 الذي وقّع بين إيران والولايات المتحدة في عهد الرئيس أوباما. كما أنّ روسيا لديها الخزّانات والتقنيات الكافية لنقل اليورانيوم الإيراني إليها فيما لو تمّ الاتفاق على ذلك. إضافة إلى أنّ روسيا معنية اليوم بأزمة الطاقة في العالم باعتبارها المصدّر الأول للغاز في العالم، وثاني أكبر منتج للنفط.

ما يجري ليس صراعاً على برنامج نووي أو مضيق، بل معركة كسر إرادات متبادلة. من يتحمّل الضغط الداخلي (الاقتصادي والاجتماعي) لفترة أطول هو من سيفرض شروطه. وحتى ذلك الحين، سيبقى الشرق الأوسط في حالة “توازن رعب غير مستقر”، فالأخطاء الصغيرة قد تكلّف الجميع حرباً لا يريدها أحد.

انهيار مفهوم أمن الخليج…
أحدثت الحرب على إيران تحوّلات جذرية ومباشرة في أمن منطقة الخليج، حيث لم تعد التهديدات مجرّد احتمالات، بل تحوّلت إلى استهداف فعليّ للبنى التحتية والملاحة. وبدا جلياً أنّ دول الخليج هي الخاسر الأكبر مما حدث، فالولايات المتحدة الأميركية انتقلت من حليف استراتيجي لهذه الدول إلى عبء عليها. فاستهدافها من قبل إيران جاء نتيجة لوجود القوات الأميركية على أراضيها، في حين لم تبادر هذه القوات إلى الدفاع عنها.

أمن الخليج قام تاريخياً على “مظلة الحماية الأميركية” التي وفّرها “اتفاق كوينسي” لهذه الدول، بعد الاجتماع التاريخي الذي جمع الملك عبد العزيز آل سعود بالرئيس روزفلت على متن الطرّاد كوينسي في البحيرات المرة في مصر في العام 1945.

كانت الولايات المتحدة حليفاً موثوقاً لدول الخليج، حيث قادت حرب تحرير الكويت في العام 1991، والتي أدّت إلى تدمير الجيش العراقي، وقادت لاحقاً إلى الاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003.

مقابل ذلك تعهّدت دول الخليج بدعم الدولار الأميركي عبر ما عرف بـ “سياسة البترودولار”، وتدفّقت الاستثمارات والودائع الخليجية إلى الولايات المتحدة.

انهيار مفهوم أمن الخليج جعل المملكة العربية السعودية تسعى لإقامة تحالف استراتيجي مع باكستان، وعودة التفكير بتأسيس “ناتو عربي”، يكون لمصر دور رياديّ فيه، على غرار ما كان في “إعلان دمشق”، الذي تأسس بعد تحرير الكويت وضمّ كلّاً من سوريا ومصر إضافة إلى دول الخليج الست.

لقد كشفت الحرب عن عجز نسبيّ في مخزونات الصواريخ الاعتراضية أمام الهجمات المكثّفة ومنخفضة التكلفة (المسيّرات)، مما دفع دول المنطقة لإعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية وإعادة بناء منظومتها الدفاعية بالتعاون مع أوكرانيا ذات الخبرة الكبيرة في صناعة المسيّرات.

الموقف الخليجي من إيران لم يكن موحّداً، فهناك دول أبدت حماساً لاستمرار الحرب على إيران وفي مقدّمتها الإمارات والبحرين (التي تقدّمت بمشروع قرار إلى مجلس الأمن يهدف إلى استخدام القوة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز)، أنهاه الفيتو الروسي الصيني.

أما سلطنة عمان وقطر، فقد اعتبرتا أنّ المشكلة تكمن في الحرب على إيران وليس في إيران ذاتها، منطلقتان من حتمية التعايش مع إيران وعدم السماح بشيطنتها.

أما الموقف الكويتي فكان متقارباً مع نظيره السعودي الذي يرى أنّ إنهاء إيران سيجعل “إسرائيل” تنفّذ مخطّطاتها التوسّعية في المنطقة، فعلى الرغم من “خطر إيران على المنطقة، إلا أنّ وجودها يشكّل عامل ردع لإسرائيل”. مع الإشارة إلى أنّ الهجمات الإيرانية وضعت دول الخليج في موقف صعب، مما هدّد بتقويض سياسة “الحياد” وجهود الوساطة التي كانت تقودها بعض العواصم الخليجية.

المنطقة تتجه إلى إعادة تقييم مصادر التهديد، خاصة وأنّ الحرب نقلت أمن الخليج من مرحلة “إدارة التوتر” إلى مرحلة “المواجهة المباشرة للأضرار”، مما فرض واقعاً أمنياً جديداً يتطلّب استثمارات ضخمة في الدفاع الجوي وتأمين سلاسل الإمداد.

التحدّي الأكبر لإيران والدول العربية هو كيفيّة البحث عن قواسم مشتركة بين الجانبين ومنع التدخّلات الخارجية في شؤون المنطقة، وهو أمر يتطلّب العمل عليه كأولوية بعيداً عن التجييش والخطاب الطائفي.

المعركة اليوم ليست صراعاً على امتلاك برنامج نووي أو سيطرة على مضيق، بقدر ما هي معركة كسر إرادات متبادلة. وسياسة عضّ أصابع من يصمد فيها هو من سيفرض شروطه على الآخر. وحتى ذلك الحين، ستبقى المنطقة في حالة “توازن رعب غير مستقر”، فالأخطاء الصغيرة قد تودي بالجميع إلى حرب لا يريدها أحد.

أستاذ الدراسات الدولية في جامعة صن يات سين- الصين.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات