سودان تمورو
يجب أن نروي التاريخ كما هو، بلا رتوش أو اجتزاء، لكي نفهم الحاضر الذي يتشكل أمام أعيننا. حين نتأمل صفحات الماضي، ندرك أن انتصار الشاه عباس الصفوي على القوات البرتغالية لم يكن ليتحقق لولا التدخل والدعم المباشرين من الأسطول البحري البريطاني. تلك الحرب، التي أسفرت عن استعادة جزر استراتيجية حاكمة في الخليج كـ”هرمز” و”البحرين” من قبضة الاحتلال البرتغالي، كانت في جوهرها فخاً جيوسياسياً؛ فقد عبّدت الطريق وفتحت الباب واسعاً أمام النفوذ الإنجليزي ليتغلغل في مياه الخليج. وما هي إلا أربعمائة عام حتى حصدت بريطانيا ثمن ذلك التدخل، حين مارست ضغوطاً هائلة على شاه إيران أدت إلى فصل البحرين نهائياً عن العباءة الإيرانية. كان هذا هو النمط التاريخي الذي حكم المنطقة لقرون: لا انتصار بحرياً محلياً دون رافع أوروبي.
لكن المشهد اليوم يفرض علينا قراءة متأنية لواقع جديد يتشكل بقوة الإرادة وتغير موازين القوى. فما تسطره القوات المسلحة الإيرانية اليوم، في خضم مواجهة بحرية مستمرة منذ شهرين في مياه الخليج وبحر عمان، يمثل تحولاً استراتيجياً غير مسبوق، ولا نبالغ إن قلنا إنه لا نظير له في تاريخ إيران. لقرون خلت، افتقرت طهران إلى سيطرة مستقلة وحقيقية على مياه الخليج، وكانت كتب تاريخ حروبها البحرية في القرون الأخيرة تُطوى إما على هزائم مريرة أمام القوات الاستعمارية، أو على انتصارات هشة مشروطة بحضور القوى الغربية وتوجيهها.
اليوم، يبدو أن قواعد اللعبة قد مُزقت بالكامل. لقد تمكنت القوة البحرية الإيرانية بشقيها، الجيش والحرس الثوري، من قلب الطاولة، ليبرز الإيرانيون كـ “أباطرة للبحار” في هذا التوقيت الحرج. شهران كاملان ومضيق هرمز مغلق، في سابقة حبست أنفاس العواصم الكبرى. ثاني أهم شريان مائي على وجه الأرض بات يخضع لسيطرة إقليمية صارمة، لدرجة أن أعتى قوة بحرية عرفها التاريخ تقف اليوم مترددة، ولا تجرؤ على اقتحام مياه الخليج لكسر هذه المعادلة. إنها النتيجة الحتمية لسياسة غض الطرف؛ فالعالم الذي آثر الصمت المطبق أمام التجاوزات والاعتداءات الأميركية والإسرائيلية على إيران، يُجبر اليوم على دفع الفاتورة صاغراً، متجرعاً مرارة أكبر أزمة طاقة يشهده التاريخ المعاصر.
