سودان تمورو
في خضم الجنون العسكري والسياسي الذي يعصف بالمنطقة، يخرج علينا الأكاديمي والمحلل الأميركي البارز جيفري ساكس بتصريحات تبدو في ظاهرها قراءة عقلانية للواقع، حين يؤكد بوضوح أن الأهداف المعلنة للحرب ضد إيران غير قابلة للتحقيق، محذراً من تبعاتها الكارثية الماحقة على الاقتصاد الأميركي والعالمي واستقرار الشرق الأوسط برمته. ساكس، الذي وصل به الأمر إلى توجيه نصيحة مباشرة لإسرائيل بأن “تخرس”، أشار إلى أن طهران قدمت بالفعل إطاراً عملياً من ثلاث مراحل لحل الأزمة، يشمل وقفاً للصراع، وآلية لإدارة مضيق هرمز، وعودة للمفاوضات النووية، كاشفاً في الوقت ذاته عن مساعي بنيامين نتنياهو الحثيثة لجر الولايات المتحدة إلى مستنقع حروب لا نهاية لها خدمة للمشروع الإسرائيلي، عبر سلسلة من الأكاذيب التي خدع بها الرؤساء الأميركيين المتتاليين.
ولكن، ورغم وجاهة هذا التحليل الصادر من قلب النخبة الأميركية، فإن القراءة الاستراتيجية من داخل منطقتنا تأخذ منحىً أكثر واقعية وحسماً. الحقيقة الساطعة التي تتجاهلها النخب الغربية هي أن واشنطن أعجز من أن تُسكت النظام الصهيوني أو تلجم آلة قتله المنفلتة، وفي المقابل، فإن طهران لم تعد تلك العاصمة التي يمكن استدراجها بسذاجة إلى ذلك المضمار العبثي والمجرب؛ مضمار “المفاوضات، ثم الخيانة، فالحرب، ثم العودة للمفاوضات”. لقد أدرك محور المواجهة في المنطقة أن هذه الحلقة المفرغة قد صُممت لتكون مصيدة دائمة، وقد كُسرت اليوم إلى غير رجعة.
إن أي حديث عن مسارات دبلوماسية أو حلول سياسية بات حديثاً عبثياً إن لم يبدأ، أولاً وقبل كل شيء، بإنهاء قطعي وشامل لهذه الحرب المجنونة. والشرط المسبق والبديهي لأي تهدئة هو إسدال الستار على تلك المهزلة الاستعمارية المسماة بـ”الحصار البحري” الذي تفرضه الإدارة الأميركية. لقد سقطت هيبة “إمبراطورية الرعب” الأميركية، وانكشف ضعفها الهيكلي والعسكري في ميادين القتال بصورة واضحة لا تقبل التشكيك ولا التجميل، وبات جلياً أن البوارج وحاملات الطائرات لم تعد قادرة على تركيع الإرادات.
نحن اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، حان فيها وقت اقتلاع جذور الاستعمار والهيمنة الغربية، ليس فقط من الجغرافيا، بل من وعي الرأي العام في منطقتنا العربية والإسلامية. لقد سقطت الأقنعة الدبلوماسية، والرسالة اليوم باتت واضحة ومباشرة لمن يعقلون في أروقة واشنطن وتل أبيب: إن كنتم تصرون على خيار الحرب، فباسم الله، الميدان يتسع للجميع والكلمة الفصل للسلاح. أما إن كنتم تنشدون السلام حقاً وتخشون على مصالحكم من الانهيار، فعليكم أولاً أن تتصرفوا كبشر أسوياء، وأن تذعنوا لغة العقل بقبول حقوق الشعب الإيراني وشعوب المنطقة بأسرها. لقد ولى زمن الإملاءات الأميركية، وبدأ عصر المعادلات التي تُكتب بالنار والوعي.
