سودان تمورو
تبرز “المبادرة ذات المراحل الثلاث” لإنهاء الحرب والوصول إلى اتفاق شامل كبقعة ضوء خافتة في نفق مظلم من التشاؤم المحيط بمستقبل المنطقة، إلا أن تفكيك بنية هذا المقترح يكشف عن ثقوب استراتيجية قد تجعل من “الأمل” المرجو مجرد عملية ترحيل للأزمات لا حلاً لها. تكمن المعضلة الأولى في أن هذا الطرح، حتى في حال نجاحه تقنياً، سيُبقي المنطقة في حالة من “التعلیق” المستمر؛ فلا هي حالة سلم حقيقي ولا هي حرب شاملة، وهو وضع يستنزف الداخل الإيراني ويضاعف الضغوط الاقتصادية والسياسية، بانتظار ما ستسفر عنه جودة التنفيذ في المرحلة الأولى، وهو رهان محفوف بالمخاطر في ظل انعدام الثقة المتبادل.
إن الهيكل التتابعي للمبادرة يشير إلى إمكانية التوصل لتفاهمات في المرحلة الأولى المتعلقة بوقف إطلاق النار المستدام، أو المرحلة الثانية المعنية بإدارة مضيق هرمز ورفع الحصار البحري، لكن الاصطدام الحقيقي سيحدث حتماً عند بلوغ المرحلة الثالثة المتعلقة بالملف النووي. هنا، من المتوقع أن تعود الأمور إلى “نقطة الصفر” أو حالة الانغلاق التي سبقت اندلاع المواجهات الحالية، مع فارق خطير؛ وهو أن فشل التوافق في هذه المرحلة المتأخرة سيعيد الجميع فوراً إلى حالة الحرب المفتوحة، ولكن بعد أن يكون الطرف الآخر قد أعاد تموضعه استراتيجياً. وما يعزز هذه الشكوك هي التصريحات التصعيدية القادمة من واشنطن، كتلك التي أطلقها “ماركو روبيو” بشأن رفض السيطرة الإيرانية على المضيق، مما يؤكد أن المراحل الأولى والثانية بحد ذاتها لا تزال محل نزاع سيادي عميق.
الواقع يشي بأن الإدارة الأمريكية الحالية، وتحديداً فريق دونالد ترامب، لا يملك شهية كافية للدخول في تفاصيل فنية وتقنية دقيقة لكل مرحلة على حدة، بل يبحث عن “صفقة سياسية كبرى” وشاملة تنهي الملف دفعة واحدة. وهنا يبرز التضارب الجوهري في الأولويات؛ فبينما قد تضع طهران إنهاء الحرب كخطوة أولى، تصر واشنطن على وضع الملف النووي في المقدمة، متمسكةً باستراتيجية “السلام من خلال القوة”. هذا يعني أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن أداة الضغط العسكري في الخطوات الأولى، بل ستبقيها مسلطة للحصول على تنازلات قصوى في الملفات السيادية، مما يجعل من فكرة “المقايضة” بين فتح المضيق ورفع الحصار البحري عملية منقوصة لن تعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
إن التقديرات المنطقية تشير إلى أن هذا الطرح المرحلي قد يواجه طريقاً مسدوداً في منتصف الطريق، خاصة وأن ترامب يسعى لترسيخ إرث تاريخي يزعم “حل معضلة إيران” نهائياً، سواء عبر اتفاق شامل، أو حرب كاسحة، أو إضعاف بنيوي كامل. ومع ذلك، يظل التمسك بمسار الدبلوماسية ضرورة تفرضها مبادئ “العزة والحكمة والمصلحة”، فالمفاوضات ليست استسلاماً بل هي إدارة للصراع بأدوات بديلة. إن فشل مبادرة بعينها لا يعني بأي حال إغلاق باب الدبلوماسية، بل يفرض ضرورة ابتكار مسارات جديدة تمنع انزلاق البلاد نحو حرب استنزاف طويلة لا تخدم المصالح الوطنية، مع إدراك أن الطريق إلى السلام لا يقل وعورة عن ميادين القتال.
