الخميس, أبريل 30, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيهل يبيع جنرالات واشنطن لترامب وهماً؟.. بقلم لطفي الشناوي

هل يبيع جنرالات واشنطن لترامب وهماً؟.. بقلم لطفي الشناوي

سودان تمورو

في أروقة واشنطن المغلقة، تبدو الصورة مغايرة تماماً لما يُعرض على شاشات التلفزة. فبينما تُسوّق الإدارة الأمريكية لانتصارات حاسمة في “حرب رمضان” ضد إيران، تتصاعد همسات القلق داخل الدائرة الضيقة للرئيس دونالد ترامب، وتحديداً من نائبه جي دي فانس. الأخير، الذي لطالما أبدى تشككه في جدوى التورط في هذه المواجهة، يطرح اليوم تساؤلات مفصلية حول مدى صدقية الرواية التي يقدمها البنتاغون لساكن البيت الأبيض، محذراً من كارثة استراتيجية قد تضرب قدرة الولايات المتحدة على مواجهة خصومها الحقيقيين في تايوان وكوريا الجنوبية وأوروبا، جراء الاستنزاف الحاد وغير المعلن لمخزونات الذخيرة الأمريكية.

على السطح، يقف وزير الدفاع بيت هيغسيت، وإلى جانبه رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دين كين، ليرسما لوحة وردية لانتصار كاسح. تصريحاتهما العلنية تؤكد أن الترسانة الأمريكية “شبه لامحدودة”، وأن القوات الإيرانية تكبدت خسائر فادحة شلت قدراتها. هذه الرواية المتفائلة، التي يتبناها ترامب ويرددها بفخر، تبدو وكأنها مصممة خصيصاً لتدليك غرور الرئيس. فخبرة هيغسيت التلفزيونية السابقة منحته مفاتيح العقلية الترامبية، ليقدم له الخطاب الهجومي والواثق الذي يود سماعه، متجاهلاً التحذيرات من أن هذه “الانتصارات” قد لا تعدو كونها وهماً خطيراً.

لكن التسريبات والتقديرات الاستخباراتية الداخلية تكشف زيف هذا التفاؤل المفرط، وتفضح فجوة عميقة بين تصريحات البنتاغون وحقائق الميدان. فالتقارير تؤكد أن طهران لا تزال تحتفظ بثلثي قوتها الجوية، وبجزء كبير من قدراتها الصاروخية، ناهيك عن أسطولها من الزوارق السريعة القادرة على تفخيخ مضيق هرمز وشل حركة الملاحة العالمية. وما يزيد من حرج القيادة العسكرية الأمريكية هو التناقض الصارخ بين إعلان هيغسيت في مارس الماضي عن “السيطرة الكاملة” على الأجواء الإيرانية، وبين نجاح الدفاعات الإيرانية في أبريل بإسقاط مقاتلة أمريكية، في حادثة استدعت عملية إنقاذ معقدة-إن صحت-، تزامنت مع رصد إعادة تنشيط نصف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية فور انتهاء الهدنة المؤقتة.

هذا الاستنزاف في ساحة معركة لم تُحسم بعد، أدى إلى نقص حاد في الأسلحة الاستراتيجية الأمريكية، وتحديداً الصواريخ الاعتراضية وصواريخ “توماهوك” الهجومية. هذا النقص، الذي تفاقم أصلاً بسبب الدعم العسكري لأوكرانيا وإسرائيل، يضع الأمن القومي الأمريكي برمته على المحك. فانس لم يخفِ مخاوفه في جلساته مع ترامب، محذراً من أن هذا العجز التسليحي قد يغلّ يد واشنطن إذا ما اندلعت مواجهة مرتقبة مع الصين أو روسيا، وهو ما يجعل من “الانتصار التكتيكي” المزعوم في إيران هزيمة استراتيجية محققة على المسرح العالمي.

وراء كواليس هذه التخبطات العسكرية، تلوح في الأفق معركة سياسية طاحنة ترسم ملامح انتخابات الرئاسة لعام 2028. فانس، الذي يعارض تاريخياً سياسة “الحروب الأبدية”، يجد نفسه مضطراً للموازنة بين ولائه للإدارة وطموحه السياسي المرتبط بنتائج هذه الحرب. في المقابل، يبدو أن هيغسيت يستغل منصبه لتعبيد طريقه نحو البيت الأبيض، منتهجاً خطاباً يبتعد عن التقاليد العسكرية المحايدة لوزراء الدفاع السابقين، ليغازل القاعدة الدينية اليمينية ولوبي السلاح في أمريكا، مما يحول وزارة الدفاع إلى منصة لحملة انتخابية مبكرة.

في المحصلة، تحولت الحرب التي بشّر هيغسيت بأنها ستكون خاطفة وحاسمة، إلى مستنقع باهظ التكلفة ومفتوح على كل الاحتمالات. تراجع ترامب عن التصعيد وتمديده للهدنة إلى أجل غير مسمى عندما رفضت طهران إرسال مفاوضيها، بالتزامن مع جرأة الحرس الثوري في احتجاز سفن تجارية في مضيق هرمز، كلها مؤشرات لا تخطئه العين؛ واشنطن عالقة في فخ طهران، والتقديرات الوردية لجنرالات البنتاغون تسقط تباعاً أمام صلابة الواقع، لتثبت أن الحروب لا تُحسم بالتصريحات التلفزيونية، وأن إخفاء الحقيقة عن القائد العام قد يكون الثغرة التي يتسرب منها السقوط.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات