سودان تمورو
تتكشف اليوم مفارقة صارخة في المشهد الجيوسياسي، فبينما تكرس الإدارة الأميركية، وتحديداً فريق ترامب وآلته الإعلامية، كل جهودها لترسيخ “سردية الانهيار” الاقتصادي والسياسي في إيران، تنطق وقائع الميدان بحقيقة مغايرة تماماً. لقد حاولت واشنطن التعويض عن إخفاقاتها العسكرية الواضحة من خلال خوض حرب سرديات شرسة، ضخت خلالها سيلاً من البيانات المنقوصة والمضللة بهدف صناعة واقع افتراضي يكسر الإرادة الإيرانية. ورغم أن هذه الحملة الإعلامية والنفسية أحدثت في بدايتها بعض التموجات العابرة في دوائر الرأي العام الإيراني، إلا أنها سرعان ما فقدت توازنها وتهاوت أمام صلابة الواقع، لتثبت عجزها التام عن استكمال مسارها المرسوم.
بيد أن المفارقة الأكبر لا تكمن في فشل السردية الأميركية فحسب، بل في الانقلاب العكسي للأزمة؛ فما يشهده العالم الآن ليس انهياراً في طهران، بل قفزة غير مسبوقة للأزمات في عقر دار الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي بأسره. إن مؤشر أسعار الطاقة الذي جرى ضغطه وكبحه بشكل مصطنع طوال الشهرين الماضيين، يفلت اليوم من عقاله مع ملامسة أسعار النفط عتبة المائة وسبعة وعشرين دولاراً، ليفيض بأزماته الخانقة على معيشة المواطنين وقطاعات الصناعة والتكنولوجيا العالمية. وتتجه تقديرات الخبراء إلى حتمية انفجار هذه الأزمة الاقتصادية بشكل مدوٍ خلال أسابيع قليلة، في مشهد لن تنحصر تداعياته داخل الحدود الأميركية، بل سيطال العالم أجمع الذي بات يوجه أصابع الاتهام صراحة إلى واشنطن بصفتها المهندس الأول لهذا المأزق العالمي.
في المقابل، وبثقة مستمدة من تماسك جبهتها الميدانية، تتحرك طهران اليوم بديناميكية عالية بعيداً عن مربع الانفعال وردود الأفعال، لتتولى دور “المهندس” الفاعل في صياغة آليات دبلوماسية واقتصادية عابرة للأقاليم لمواجهة الهيمنة الأميركية وسياسات الناتو. فالتحركات الإيرانية النشطة والمشاورات المكثفة مع حلفاء استراتيجيين كالصين وروسيا، وتفعيل قنوات التواصل مع دول محورية كباكستان وعُمان، تؤكد أن إيران تقود مبادرة هجومية في ساحة الدبلوماسية. هذه الحيوية الاستراتيجية هي التي أفرغت “الحصار البحري” الغربي الموجه ضد طهران وموسكو وبكين من محتواه، وجعلته أثراً بعد عين بفضل المبادرات الإيرانية المضادة.
أمام هذا المشهد المعقد، حيث تخنق الأزمة الحقيقية عنق الاقتصاد الأميركي، وتفشل في الوقت ذاته كافة أدوات الحصار الاقتصادي والفتن السياسية ومحاولات زعزعة الأمن الداخلي الإيراني، تتزايد الخشية من ارتكاب واشنطن حماقة “الهروب إلى الأمام”. فالضغوط المتصاعدة من قوى اللوبي الصهيوني، داخل أميركا وخارجها، تدفع بإدارة ترامب نحو حافة الهاوية عبر التحريض على شن هجوم عسكري متسرع، إدراكاً منهم أن نافذة الفرصة تضيق بشدة، وأن إستراتيجية الضغط ثلاثية الأبعاد قد أعلنت إفلاسها، ولم يعد أمامهم سوى المغامرة بإشعال حريق قد يلتهم من أشعله قبل غيره.
