سودان تمورو
بغض النظر عن الماضي الدامي الذي ارتبط باسم الرئيس السوري أحمد الشرع، المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني، فإن تحوله إلى رجل دولة يطرح سؤالاً مصيرياً: هل يمكن أن تلد التجارب المريرة وعياً استراتيجياً يصبح مناعة للأمة؟ يبدو أن الرجل الذي تم توظيفه ذات يوم في حروب بالوكالة، أدرك بعد أن غاص في دهاليز الحكم أن اللعبة الدولية لا تعرف أصدقاء دائمين، بل مصالح متغيرة. لقد فهم اللعبة بحذافيرها وكيف تُستخدم الجماعات والدول كأدوات في معارك كبرى، ثم تُلقى جانباً عندما تنتهي صلاحيتها.
هذا الفهم الجديد هو ما يدفعه اليوم إلى ربط مصير حكمه بمصير المنطقة برمتها. فهو يدرك أن مشروعي “إسرائيل الكبرى” و”الشرق الأوسط الجديد” ليسا مجرد شعارات، بل مخططات جيوسياسية تهدف إلى إعادة تشكيل الخريطة وتفتيت البنى القائمة. وعيه بخبايا هذين المشروعين جعله يرى أن سقوط “محور الممانعة” – الذي تشكله حركات مثل حماس وحزب الله بدعم إيراني – لن يكون سقوط فصيل معزول، بل سيكون بداية انهيار متسارع كأحجار الدومينو، تبتلع الجميع في طريق مشروع الهيمنة.
وليس التحول في سوريا وحده. فالقصة تتكرر، وإن بأشكال مختلفة، في أفغانستان. تقارير عدة تتحدث عن اتفاق غير معلن بين واشنطن وطالبان، تضمن انسحاب أمريكي “منظم” مقابل تحويل أفغانستان إلى منصة لزعزعة استقرار جيرانها، وخاصة إيران والصين وباكستان، عند الحاجة. ولكن يبدو أن قيادة طالبان، بعد أن تذوقت مرارة الحكم وثقل المسؤولية، بدأت تدرك أن دور “الحارس المفوض” لمصالح الآخرين هو طريق مسدود. وأن بقاءها في السلطة مرهون بمدى قدرتها على خدمة مصالح شعبها أولاً، وعدم الانجراف وراء مخططات تدفع الثمن منها هي وجيرانها.
هنا تكمن الحكمة المستفادة: أن القوى العظمى تتعامل مع الجميع كقطع شطرنج، تُحركها اليوم وتُضحّي بها غداً. والدرس الذي يجب أن تستوعبه كل حركة أو دولة في المنطقة هو أن الاعتماد على ظهير معادي، مهما بدا قوياً، هو رهان خاسر على المدى الطويل. النجاة الحقيقية تكمن في الوعي بالمصلحة الوطنية الحقيقية، وفي إدراك أن العدو الاستعماري واحد، حتى لو تعددت أساليبه وواجهاته.
وهذا الوعي المتجدد ليس حكراً على القادة السياسيين. ففي قلب المؤسسات العسكرية النظامية العربية، بدأت تظهر بوادر فهم لهذه المعادلة. تقارير موثوقة تشير إلى أن عناصر في الجيش المصري قد أغمضوا الطرف، عن علم أو دون علم القيادة العليا، عن تسليح حماس عبر الأنفاق، وهو ما أسهم في القدرات التي ظهرت خلال معركة “طوفان الأقصى”. وفي لبنان، لم يكن تعاون بعض الضباط في الجيش اللبناني مع حزب الله لإفادته بمعلومات عن مخازن الأسلحة التي كشفتها إسرائيل، سوى تعبير عملي عن هذا الإدراك المشترك للخطر. إنه تعاون لا يقوم على الولاء الأيديولوجي بالضرورة، بل على إحساس غريزي بأن المعركة في النهاية واحدة.
هذه قراءة لتحولات عميقة. إنها إشارات تدل على أن جدران الصدع التي خلقتها مشاريع التفتيت قد تبدأ بالتصدع أمام إدراك مصيري مشترك. عندما يبدأ رجل الدولة، والإرهابي، والضابط النظامي، في رؤية الصورة الكبيرة ذاتها، فإن هذا يعني أن المنطقة قد تكون على أعتاب مرحلة جديدة. مرحلة لا تحسمها القوة الغاشمة وحدها، بل الوعي الذي تولده معاناة الدماء والدروس القاسية. فهل تكفي هذه البصيصات من الأمل لاختراق العتمة الكثيفة؟ التاريخ وحده هو من سيجيب، ولكن المؤكد أن من لا يتعلم من دروس الماضي، محكوم عليه بتكرار مأساته، بأثمان باهظة جديدة.
