حاص سودان تمورو
في فصل جديد من فصول المأساة السودانية التي لا تنتهي، استيقظت البلاد على فاجعة قرية الكاهلي زيدان بولاية الجزيرة، حيث لم تكن السماء تحمل مطراً يروي الأرض العطشى، بل طائرة مسيّرة أمطرت الموت على رؤوس الأبرياء، وحولت منزلاً آمناً إلى شاهد على وحشية حرب لا تفرق بين مقاتل وطفل رضيع. إن مقتل أربعة عشر فرداً من أسرة واحدة، بينهم نساء وأطفال، في استهداف غادر يُنسب لقوات الدعم السريع، ليس مجرد رقم يُضاف إلى عدّاد الضحايا المتصاعد، بل هو طعنة نجلاء في جسد وطن مثخن بالجراح.
إن هذه الجريمة، بكل تفاصيلها المروعة، تتجاوز كونها مجرد حادثة عرضية في سجل الحرب الدامية، لتصبح مؤشراً خطيراً على المدى الذي وصل إليه الصراع من استهداف ممنهج للأسر وتصفية للحسابات بعيداً عن أي أعراف أو قوانين. وبينما تتبادل الأطراف الاتهامات، تبقى الحقيقة المرة هي أن المدنيين هم الوقود الأبدي لهذه المعركة العبثية. لقد تحولت الدعوات لتجنيب المدن والمواطنين ويلات القتال إلى صرخة في وادٍ لا يسمع فيه المنادي إلا صدى صوته، وباتت المواجهة الشريفة في ساحات المعارك حلماً بعيد المنال في زمن أصبحت فيه البيوت أهدافاً عسكرية مشروعة في نظر المتحاربين.
الأخطر من دويّ المسيّرات وصوت الرصاص هو ذلك الصمت الذي يعقب الجريمة، والذي يتردد فيه صدى الكراهية المتنامية والبغضاء التي تسمم الروح السودانية. لقد أدخلت هذه الحرب ثقافة الاغتيال وتصفية الخصوم عبر استهداف عائلاتهم، وهي ثقافة غريبة ودخيلة تزرع بذور الثأر والانتقام لأجيال قادمة، وتهدد بتمزيق ما تبقى من النسيج الاجتماعي للبلاد. كل قطرة دم بريئة تسيل اليوم، هي حبر يُكتب به فصل أكثر قتامة في مستقبل السودان، وتجعل من مهمة المصالحة وإعادة اللحمة الوطنية أمراً شبه مستحيل.
أمام هذا المشهد القاتم، لا يكفي التنديد أو سكب الدموع التي سرعان ما تجف، فالرحمة للشهداء والدعاء لهم واجب، لكن الواجب الأكبر هو العمل الدؤوب على إسكات صوت البنادق والمسيّرات إلى الأبد. إن وقف هذه الحرب ليس خياراً، بل هو ضرورة قصوى لإنقاذ ما تبقى من وطن. ويجب أن يقترن ذلك بمسار لا هوادة فيه لتحقيق العدالة ومحاسبة كل من تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء في الكاهلي زيدان وغيرها من مدن وقرى السودان، فبدون محاسبة ناجزة، ستظل أرواح الضحايا معلقة، وستبقى البلاد رهينة لدورة عنف لن تتوقف.
