الأحد, مايو 17, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيإمبراطورية الذرائع!.. بقلم يوسف سليم

إمبراطورية الذرائع!.. بقلم يوسف سليم

سودان تمورو

بعد مسرحية قصف الموانئ الإماراتية وإلقاء التهمة جزافاً على طهران بحثاً عن مسوغات جاهزة للصِدام، تتكشف اليوم خيوط اللعبة الأميركية في مياه الخليج بشكل أكثر وضوحاً. فمنذ التصريحات الاستعراضية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، مروراً بتحريك المدمرات باتجاه مضيق هرمز، وصولاً إلى إطلاق إيران نيراناً تحذيرية، يقف المراقب أمام مشهد عبثي يثير تساؤلات جوهرية حول حقيقة النوايا الأميركية. لم يكن من المنطقي عسكرياً أن يعلن ترامب بأعلى صوته، وأمام عدسات العالم، نيته دخول الخليج تحت غطاء “مهمة إنسانية” لمساعدة سفن عالقة؛ فلو كانت النية الحقيقية هي شن حرب ماحقة، لكان الصمت والمباغتة هما سيدي الموقف، لا الإعلانات الرسمية التي تضع الجميع، وفي مقدمتهم طهران، في حالة تأهب قصوى.

وهنا تتناسل الأسئلة المشروعة في العقل الاستراتيجي: لماذا دفع ترامب بمدمراته نحو عنق الزجاجة في هرمز وهو يدرك تماماً أن الإيرانيين لن يقفوا مكتوفي الأيدي؟ لقد أثبتت طهران سابقاً، وبشكل قاطع، إرادتها في إسقاط الطائرات المسيرة وضرب القواعد العسكرية، مما ينفي تماماً فرضية حاجة واشنطن لـ “جس النبض” مجدداً. وفي المقابل، يبرز التساؤل الأهم: لماذا اكتفت طهران بإطلاق نيران تحذيرية في الهواء، رغم أن القطع البحرية الأميركية كانت في مرمى نيرانها المباشر وبمثابة صيد استراتيجي سهل؟

الإجابة العميقة عن هذه التساؤلات لا تكمن في تكتيكات اللحظة الراهنة، بل تتطلب الغوص في النمط التاريخي المترسخ لعقيدة الحروب الأميركية. فكما يوثق الباحث “بول أتوود” في كتابه “إمبراطورية الحرب”، دأبت واشنطن طوال مائة وخمسين عاماً على هندسة الذرائع قبل خوض أي صراع. الاستراتيجية الأميركية دائماً واحدة لا تتغير: تهيئة المسرح بعناية لاستدراج الخصم كي يوجه الضربة الأولى، ومن ثم إطلاق آلة البروباغندا الجبارة للتباكي على الضحايا، وتأليب الرأي العام المحلي والعالمي، واستصدار تفويض شعبي للتدخل العسكري. هذا هو “الكتالوج” الأميركي الذي طُبق بحذافيره بدءاً من الحرب ضد إسبانيا عام 1898، مروراً بالحربين العالميتين، وصولاً إلى تعقيدات المشهد الأوكراني اليوم.

اليوم، يجد ترامب نفسه حبيس المأزق ذاته؛ فهو في أمسّ الحاجة إلى غطاء شعبي وشرعية أخلاقية مزيفة لخوض حرب كبرى ستكلف بلاده أثماناً باهظة وخسائر فادحة في الأرواح. لم يكن توجيه المدمرات نحو هرمز سوى محاولة مكشوفة لهندسة “لحظة اشتباك”، وفخاً لاستفزاز طهران كي تبتلع الطعم وتنفذ هجوماً يمنحه صك إعلان الحرب. لكن الرصاصات التحذيرية الإيرانية، والإحجام المتعمد عن إغراق المدمرات، أفسدا الطبخة الأميركية تماماً. لقد أثبتت طهران، ببرود استراتيجي لافت، أنها تقرأ العقل الأميركي جيداً وترفض اللعب وفق القواعد التي وضعها البيت الأبيض. وبذلك، أجبرت الجمهورية الإسلامية الإدارة الأميركية على خيارين أحلاهما مر: إما التراجع بانكسار، أو التورط في حرب عارية من أي ذريعة مشروعة، حرب وُلدت ميتة ومرفوضة في وجدان الرأي العام العالمي والأميركي قبل أن تبدأ. لتسجل واشنطن، ربما للمرة الأولى في تاريخها الحديث، سابقة تجد فيها نفسها أمام خصم بالغ الذكاء، يحتفظ بكامل أوراقه، ويتقن تفكيك الألغام السياسية ببراعة تفوق قدرة الإمبراطورية على زرعها.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات