خاص سودان تمورو
في تصريح صادم يعكس حجم المأساة وغياب الأفق السياسي، كشف قائد قوات الدعم السريع، الفريق محمد حمدان دقلو “حميدتي”، عن معلومات تفيد بأن الجيش السوداني وضع خططاً لاستمرار الحرب حتى العام 2033، ليرد بلهجة لا تخلو من التصعيد: “هذه الحرب غير معروف موعد انتهائها.. هم حددوا لها حتى العام 2033، ونحن نقول لهم استمروا حتى العام 2040.. نحن مستعدون لها.. ما في مشكلة”. وبغض النظر عن مدى دقة أو موثوقية المصادر التي نقلت هذه التقديرات الزمنية المرعبة، فإن الكارثة الحقيقية تكمن في التعاطي مع سنوات الحرب وكأنها مجرد أرقام على ورق، متناسين أن وقود هذه السنوات الممتدة هو المواطن السوداني الأعزل الذي يكتوي وحده بنار صراع لا ناقة له فيه ولا جمل.
لقد غاب عن أجندة الجنرالات أن ينظروا بعين الرحمة إلى الشعب السوداني الذي تمزق نسيجه وتشتت شمله، فانقسم بين لاجئ يصطلي بنار الغربة وذل السؤال على الحدود، ومواطن مقيم في الداخل تحول إلى مشروع ضحية مؤجلة؛ لا يدري متى تنهش لحمه شظايا مسيرة طائشة، أو متى تقصف محطة كهرباء تتركه وعائلته أسابيع طوال في عتمة الظلام الدامس وتحت وطأة الخوف والجوع والعوز. إن هذه المعاناة اليومية تجرد التصريحات العسكرية من أي بطولة مزعومة، وتضع طرفي النزاع أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية لا يمكن التنصل منها.
إن الحقيقة الجلية التي يجب أن تقال بوضوح، هي أن الخلاف الدائر اليوم بين المكونات العسكرية والسياسية في السودان ليس صراعاً على مبادئ وطنية عليا أو دفاعاً عن أيديولوجيا مقدسة، بل هو في جوهره قتال دموي على النفوذ والمصالح، وصراع مرير على كيفية اقتسام “كعكة السلطة” فوق أنقاض الدولة. ومادامت لعلعة الرصاص لم ولن تؤتي أكلها، فمن الأجدى لأطراف النزاع أن يتحلوا بالشجاعة السياسية ليجلسوا إلى طاولة الحوار ويقتسموا السلطة وفقاً للمعطيات الواقعية، حقناً للدماء وإنقاذاً لما تبقى من مقدرات البلاد.
وإذا كان طرفا الصراع قد سئما من فكرة التعايش والحكم المشترك، وبات كل طرف يضمر نزعة نحو الانفصال أو التقسيم، فإن الأمانة تقتضي أن تُطرح هذه الأجندات الخفية في العلن، ليتم تداول الأمر بشفافية أمام الجماهير، ويُترك الخيار الأخير للشعب السوداني عبر استفتاء حر يقرر فيه مصيره ويختار الشكل الذي يريده لمستقبل بلاده، بدلاً من فرض سياسة الأمر الواقع بقوة السلاح. وفي المحصلة، فإن الرسالة التي يطلقها كل مواطن سوداني اليوم باتت واضحة ومباشرة: لقد سئمنا من هذا العبث الدموي، ولم يعد في وسعنا تحمل المزيد من الفواتير الباهظة لحرب تحرق حاضرنا وتصادر مستقبل أجيالنا.
