الثلاثاء, مايو 12, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيتفكيك قناعات استراتيجية!..  لطفي الشناوي

تفكيك قناعات استراتيجية!..  لطفي الشناوي

سودان تمورو

في دهاليز الأدبيات الاستراتيجية المعاصرة، تتجذر قناعات قد تبدو بديهية للوهلة الأولى، لكنها عند التدقيق تكشف عن تهافت منطقي خطير قد يدفع باتجاه حسابات خاطئة ذات عواقب وخيمة. إن مفهوم الردع، جوهر الأمن القومي في بيئة دولية متقلبة، كثيراً ما يختزل في مظاهر سطحية أو أدوات جزئية، مما يؤدي إلى بناء أوهام خطيرة بدلاً من صياغة استراتيجيات فعالة ومستدامة. لعل من أبرز هذه الأوهام ثلاث قناعات تتطلب تفكيكاً جذرياً.

أولاً، الاعتقاد بأن “العتبة النووية وحدها كفيلة بتحقيق الردع”. هذه الرؤية تبسيطية وخطيرة في آن معاً. فامتلاك العتبة النووية، أو حتى القدرة على تطوير السلاح النووي، دون مقومات البقاء بعد الضربة الأولى، أو غياب الغموض الموثوق به حول النوايا والقدرات، أو افتقار الإرادة السياسية الراسخة، إضافة إلى غياب بنية قيادية وتحكم متكاملة، لا ينتج بالضرورة ردعاً فعالاً. بل على العكس، قد تولّد هذه العتبة ضغوطاً تصاعدية للضربات الاستباقية، نظراً لتشجيع الخصوم على تحييد هذه القدرة قبل أن تكتمل أو تصبح تهديداً حقيقياً، بدلاً من أن تردعهم عن أي مغامرة.

ثانياً، المبالغة في تقدير قيمة “حتى قنبلة واحدة في تحقيق الردع”. فامتلاك قنبلة نووية يتيمة، أو عدد محدود منها، لا يضمن الردع في غياب منظومة قيادة وتحكم متماسكة، وسلسلة قرار واضحة، وأمن حفظ وتخزين لا تشوبه شائبة، وقدرة مؤكدة على البقاء والاستجابة بعد التعرض لضربة أولى، إضافة إلى القدرة على إيصال رسالة تهديد ذات مصداقية. القنبلة في حد ذاتها ليست رادعاً، وهي لا تعمل بمعزل عن بيئتها العملياتية والسياسية الشاملة. والتاريخ يشهد على أن بعض الدول التي امتلكت قدرات نووية أولية لم تستطع تحويلها بالضرورة إلى ردع فعال ومستدام، كما كان الحال مع تجربة جنوب أفريقيا على سبيل المثال، التي وجدت أن امتلاك قنبلة لا يعادل ردعاً كاملاً.

ثالثاً، الوهم بأن “مضيق هرمز يمكن أن يكون بديلاً عن الردع النووي أو الاستراتيجي الشامل”. صحيح أن مضيق هرمز يمثل رافعة جيواقتصادية ذات أهمية قصوى، نظراً لدوره الحيوي في أسواق الطاقة العالمية، وقدرته على رفع كلفة الأزمات على أطراف أخرى، والتأثير على الحسابات الاقتصادية للاعبين الإقليميين والدوليين. لكنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحل محل قدرة الردع الاستراتيجي المستدامة التي تتطلب جملة من المقومات العسكرية والسياسية والاقتصادية المعقدة. الاعتماد على هرمز كدرع استراتيجي وحيد أو رئيسي قد لا يؤدي إلى الردع المرجو، بل قد يدفع نحو تشكيل تحالفات معادية، وتصعيد عسكري غير مرغوب فيه، وتآكل للشرعية الدولية تحت ذريعة حماية الممرات المائية الحيوية.

إن الردع النووي، في جوهره، ليس نتاجاً لامتلاك القنابل فحسب؛ بل هو حصيلة تفاعل معقد بين القدرة التدميرية الهائلة، ومقومات البقاء والصمود، وكفاءة القيادة والتحكم، ومصداقية التهديد، وصلابة الإرادة السياسية، وقابلية الحساب والتنبؤ، والقدرة على إدارة التوترات. بدون هذه المكونات المتكاملة، فإن الاعتماد على عتبة نووية مجردة أو رافعة جيواقتصادية مثل هرمز، لن يصنع رادعاً حقيقياً، بل سيخلق وهماً بالردع، يمكن أن يجر اللاعبين إلى حسابات خاطئة ويقود إلى تبعات لا تحمد عقباها.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات