الثلاثاء, مايو 12, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيغرينلاند.. صدى الهيمنة المتآكل في عهد الأوهام الأميركية!.. سعد الدين عطية الله

غرينلاند.. صدى الهيمنة المتآكل في عهد الأوهام الأميركية!.. سعد الدين عطية الله

سودان تمورو

تأتي الأنباء الواردة حول المباحثات الأميركية-الدنماركية لإنشاء ثلاث قواعد عسكرية جديدة في جنوب جرينلاند، لتكشف عن فصلٍ جديد في كتاب الاستراتيجية الأميركية المأزومة، حيث تحاول واشنطن استعادة أمجاد الحرب الباردة في ممر “جي آي يو كيه” (GIUK) الاستراتيجي، متذرعةً بمراقبة التحركات الروسية والصينية. إن تقليص التواجد الأميركي من 17 قاعدة خلال الحرب الباردة إلى قاعدة فضائية وحيدة اليوم، ثم العودة المحمومة لطلب قواعد إضافية، لا يعكس قوةً صاعدة، بل يشي بانحسارٍ تدريجي في ميزان النفوذ العالمي، ومحاولة يائسة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

إن السلوك الأميركي اليوم، الذي يمزج بين فوبيا فقدان السيطرة وحالة الهلع الاستراتيجي، يعكس أزمة أعمق داخل أروقة البيت الأبيض؛ فأمراض “حب السيطرة” لم تعد مجرد توصيف سياسي، بل أضحت سمةً حاكمة لسياسة خارجية لا تعرف سوى لغة التهديد، والابتزاز، والعقوبات، وإرسال الجيوش. هذا النمط من الإدارة يغفل حقيقةً مفادها أن استعراض العضلات العسكري، وإن بدا في ظاهره قوة، فإنه في حقيقته تعبير عن عجز في أدوات الدبلوماسية والقدرة على القيادة السياسية في عالمٍ تغيرت قواعد لعبته تماماً.

وبدلاً من أن تسهم هذه التحركات في ترسيخ حلم القطب الأوحد الذي يجثم على قمة الهرم الدولي، فإنها تفعل العكس تماماً؛ إذ تُعجل في تلاحم قوى العالم، سواء تلك المصنفة خصوماً أو حتى الحلفاء الذين باتوا يشعرون بوطأة الضغط الأميركي، في جبهةٍ عريضة ترفض منطق الهيمنة. إن واشنطن، بمحاولتها تحويل جرينلاند إلى نقطة ارتكاز استراتيجية، لا تزيد الوضع إلا تأزماً، فهي تضع العالم على مسارٍ حتمي نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، نظامٍ يتشكل بعيداً عن رغبات البيت الأبيض. لقد أضحت هذه السياسات “المتشنجة” الوقود الحقيقي لولادة هذا النظام الجديد، لتتحول القواعد العسكرية من حصونٍ لحماية النفوذ إلى مجرد رموزٍ باهتة لإمبراطوريةٍ تكافح للبقاء في عالمٍ لم يعد يقبل بسطوة القوة الفردية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات