الأربعاء, مايو 13, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيزلزال "جل العلام": كيف غيّر حزب الله قواعد الاشتباك في الشمال .....

زلزال “جل العلام”: كيف غيّر حزب الله قواعد الاشتباك في الشمال .. امل محمود

 

سودان تمورو

المشاهد التي بثها الإعلام الحربي لم تكن توثيقاً لكمين عادي. كانت إعلاناً مدوّياً عن انهيار نظرية “الجيش الذي لا يُقهر” وبداية مرحلة جديدة في جنوب لبنان. تسعة جنود من وحدات النخبة، مدججون بتكنولوجيا بمليارات الدولارات، يفرّون في حقل مكشوف أمام مسيّرة واحدة. الصورة اختصرت سنوات من الردع المتبادل.

  1. الهروب الكبير: تفكيك هيبة الردع الإسرائيلي

العملية في موقع “جل العلام” صُممت على 3 مراحل مترابطة كشفت تحولاً في عقلية إدارة المعركة:

– المرحلة الأولى: كسر القبة: استهداف منصة القبة الحديدية بالمسيّرات الانقضاضية لم يكن الهدف منه فقط تعطيلها. كان رسالة: “نستطيع ضرب مظلتكم الأمنية متى نشاء”. القبة التي صُرفت عليها مليارات لتكون رمز التفوق، تحولت في دقائق إلى خردة محترقة على تلة حدودية.

– المرحلة الثانية: الفخ التكنولوجي: حزب الله تعمّد انتظار وصول القوة الفنية البديلة لاستبدال المنصة المدمرة. الضربة الثانية لم تستهدف الحديد، بل استهدفت العقل. وصول قوة الصيانة إلى موقع مكشوف أصلاً يعني أن تقديرات القيادة الإسرائيلية للمخاطر انهارت.

– المرحلة الثالثة: تعرية الجندي: مشهد الجنود التسعة وهم يركضون دون نظام، دون تغطية، دون إطلاق نار، هو الضربة الأقسى. العقيدة العسكرية الإسرائيلية بُنيت على “الحسم السريع” و”نقل المعركة لأرض العدو”. الفيديو أظهر العكس: شلل تام، فقدان قيادة، وغريزة البقاء تتغلب على كل تدريب.

هذا المشهد وحده حوّل آلاف ساعات التدريب في قواعد “تسيئليم” إلى مادة للسخرية في غرف التحليل من طهران إلى واشنطن.

  1. سلاح الألياف البصرية: الموت الصامت الذي هزم التشويش

نجاح حزب الله الكبير يكمن في كسر احتكار التفوق التقني. المسيّرات التي تعمل بالألياف البصرية قلبت المعادلة لثلاثة أسباب:

السلاح التقليدي مسيّرة الألياف البصرية الأثر الميداني

توجيه لاسلكي RF توجيه سلكي عبر كابل ضوئي رفيع مناعة 100% ضد التشويش والـ GPS Jamming

جودة تصوير متقطعة بث فيديو HD لحظي دون تأخير مناورة مليمترية حتى لحظة الاصطدام

مدى محدود بالبطارية والإشارة مدى يصل لعدة كيلومترات استهداف العمق التكتيكي للمواقع المحصنة

النتيجة: منظومات “درع الضوء” و”راعم” الإسرائيلية المخصصة لإسقاط المسيّرات أصبحت عمياء. الجندي في الميدان يقاتل عدواً لا يراه الرادار ولا تسمعه أجهزة الإنذار. هذا “الكابوس” حوّل كل موقع ثابت في الشمال من حصن إلى مصيدة. اعتراف الإعلام العبري بـ”العجز التام” لم يكن تواضعاً، بل وصفاً دقيقاً للواقع.

  1. ما بعد جل العلام: تدمير الرموز

الحزب لم يكتفِ بضرب الروح المعنوية. نقل الضربة إلى مستوى الرموز الاستراتيجية التي بُنيت عليها أسطورة الردع:

  1. قاعدة ميرون “يابا 506”: استهدافها بسرب مسيّرات يعني اختراق العصب البصري لسلاح الجو في الشمال. هي العين التي ترى لبنان. عندما تُعمى العين، تصبح كل الطائرات في الجو بلا دليل.
  2. دبابة الميركافا في رشاف: الميركافا Mk4 لم تُسوّق كدبابة، بل كـ”حصن متحرك” مع منظومة “تروفي” للحماية النشطة. توثيق تدميرها بصاروخ موجه أعاد للأذهان صور 2006. الرسالة: لا حصانة للدروع في تضاريس الجنوب، وكل استثمار بمليارات الدولارات قابل للاحتراق بصاروخ ببضعة آلاف.
  3. مآلات الوضع في جنوب لبنان: قواعد اشتباك جديدة

هذا “الزلزال العسكري” فرض 4 متغيرات دائمة على جبهة الشمال:

– انتهاء زمن “المناطق الآمنة”: لا توجد نقطة على طول الحدود الشمالية خارج مدى مسيّرات الحزب. من “المطلة” إلى “نهاريا”، كل ثكنة وكل آلية هدف محتمل. معادلة “الأمن مقابل الهدوء” سقطت.

– استنزاف اقتصادي-نفسي: كلفة اعتراض مسيّرة بـ10 آلاف دولار بصاروخ “تامير” بـ50 ألف دولار معادلة خاسرة. الأهم هو الكلفة النفسية: جندي النخبة الذي يهرب أمام الكاميرا لن يعود للقتال بنفس العقلية. الثقة بين القيادة والميدان تصدّعت.

– انتقال المبادرة: لسنوات، إسرائيل هي من تحدد توقيت ومكان الضربة. عمليات الألياف البصرية والكمائن المركبة تعني أن الحزب بات يملك المبادرة التكتيكية. يضرب متى يريد، ويوثق، ويستخدم الصورة كسلاح ردع موازٍ.

– ترسيخ “توازن الرعب”: الهدف لم يعد تحرير أرض. الهدف هو منع إسرائيل من فرض حرب واسعة عبر جعل كلفتها الداخلية – عسكرياً وإعلامياً وسياسياً – باهظة. مشهد “الهروب الكبير” أقوى من ألف بيان.

والخلاصة: ما جرى ليس عملية ناجحة فقط، بل تدشين لمرحلة “الصورة تقتل الدبابة”. حزب الله نجح في دمج السلاح الجديد، مع التخطيط الكمائني، مع الحرب النفسية بالإعلام. حوّل التكنولوجيا الإسرائيلية من مصدر قوة إلى نقطة ضعف مكشوفة. وفي جنوب لبنان، لم تعد القبة الحديدية تحمي الجنود، ولم تعد الميركافا تحمي الهيبة.

ما يحكم الآن هو معادلة جديدة: كلما زاد الاعتماد على التحصينات، زاد حجم السقوط عندما تُخترق.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات