سودان تمورو
ثمة طرح يتم تداوله في أروقة السياسة، تنسبه التقارير لمبادرات إقليمية من باكستان أو قطر، يسعى لرسم مسار جديد للعلاقة المتأزمة بین طهران وواشنطن. الفكرة ببساطة تبدأ بتوقيع “مذكرة تفاهم” مكتوبة، تُثبّت التوقعات والشروط العامة، ثم تليها مهلة زمنية محددة بـ 30 يوماً—قابلة للتمديد—للدخول في تفاصيل تقنية معقدة تفضي إلى اتفاق نهائي. للوهلة الأولى، يبدو المقترح عقلانياً ومنظماً؛ الإطار أولاً ثم التفاصيل. لكن في “دبلوماسية الحروب”، غالباً ما تختبئ الشياطين خلف هذه النقاط المرتبة تقنياً، فالمشكلة ليست دوماً في نقص التفاصيل، بل في ضبابية النوايا حول ما إذا كان الطرفان قد قررا فعلاً إنهاء الحرب، أم أن طرفاً ما يسعى فقط لتغيير شكلها.
اعتراضي الأساسي على هذا النموذج ليس على مبدأ “التوقيت” بحد ذاته، فالمفاوضات بلا سقف زمني تتحول إلى استنزاف عبثي ومسار باهت لا يفضي لشيء. الأزمة الحقيقية تبدأ حين يصبح “الزمن” بديلاً عن “الاتفاق السياسي” الجوهري. فما نفع الثلاثين يوماً إذا لم يحدد الطرفان سلفاً وبوضوح: ماذا يعني إنهاء الحرب بدقة؟ من يقدم أي تنازل؟ كيف يتم التحقق والرقابة؟ ما هي تكلفة نقض الاتفاق؟ وكيف ترفع العقوبات وبأي ترتيب؟ والأهم، ما هي الضمانات والأدوات التي يملكها كل طرف إذا قرر الآخر الانقلاب على التفاهم؟ في ظل هذه التساؤلات المعلقة، لا تصبح مهلة الثلاثين يوماً دليلاً على الجدية، بل ربما تكون مجرد تعبير عن استعجال يفتقر للركائز.
تعمل “دبلوماسية المواعيد النهائية” بنجاح فقط عندما تصل الأزمة إلى نقطة “المأزق المؤلم المتبادل”، وهي اللحظة التي يدرك فيها الجميع أن الاستمرار في المسار الحالي باهظ التكلفة وعديم الجدوى، حيث لا يمكن تحقيق نصر كامل ولا يمكن تحمل كلفة النزاع المستمر. أما إذا كان أحد الأطراف لا يزال يعتقد أن مزيداً من الضغط، أو الهجمات، أو التهديدات، أو العقوبات يمكن أن ينتزع تنازلات إضافية، فإن المفاوضات هنا لا تكون نهاية للحرب، بل هي مجرد استمرار لها بلغة دبلوماسية ناعمة. ومن هذا المنطلق، تصبح مذكرة التفاهم الأولية “غير الدقيقة” أخطر من غياب الاتفاق تماماً؛ لأن النص الغامض يمنح كل طرف الحق في صياغة روايته الخاصة، فيرى طرف أن الحرب انتهت، بينما يراها الآخر مجرد انتقال لمرحلة جديدة من الضغوط.
المعضلة الأخرى تكمن في أن التفاوض لا يحدث خلف الطاولات المغلقة فحسب، فكل مفاوض يخوض معركة موازية في الداخل. عليه أن “يسوّق” الاتفاق لمؤسسات القوة، والرأي العام، والأجهزة الأمنية، والخصوم السياسيين. وأي اتفاق يُبرم في 30 يوماً تحت وطأة طبول الحرب، دون تمهيد داخلي صلب، سيُفسّر فوراً على أنه “استسلام” أو “خديعة” أو “تنازل بلا ضمانات”. وفي هذه الحالة، حتى لو جُفف الحبر على الورق، سيبقى التنفيذ هشاً وقابلاً للانهيار عند أول هزة.
لذلك، السؤال الجوهري ليس “هل تكفي الثلاثين يوماً؟”، بل “ما الذي تهدف هذه المهلة لحله؟”. إذا كانت لصياغة تفاصيل تقنية لإطار سياسي واضح ومتفق عليه، فهي مفيدة بلا شك. أما إذا كان المطلوب منها حسم مفاهيم الردع، والضمانات، ورفع العقوبات، والأمن الإقليمي من الصفر، فإن هذا “الdeadline” ليس إلا تأجيلاً للأزمة لا حلاً لها. في دبلوماسية الحروب، يجب حسم كيفية إنهاء الصراع أولاً، ثم الحديث عن التفاصيل الفنية. إن عكس هذا الترتيب سيقذف بنا إلى “منطقة رمادية” خطرة: هدنة بلا ثقة، تفاهم بلا ضمانات، ومفاوضات تنهار تحت ضغط حادث عابر أو تغير سياسي مفاجئ. الزمن مهم في الدبلوماسية، لكنه لا يصنع المعجزات؛ فهو ينظم المسار إذا توفرت الإرادة والضمانات، وبدونها، يظل مجرد اسم منمق لتعليق الحرب.. لا لإنهائها.
