سودان تمورو
تأتي زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بكين في لحظة مفصلية من التحوّل في النظام الدولي، إذ لم تعد العلاقات بين الولايات المتحدة والصين تُدار ضمن قواعد المنافسة الاقتصادية التقليدية، بل ضمن إطار صراع بنيوي شامل يعيد تعريف شكل العولمة نفسها، وحدود القوة، ووظيفة الدولة في الاقتصاد العالمي.
فما يجري اليوم لا يمكن اعتباره مجرّد دورة توتر بين قوتين عظميين، بل هو انتقال تدريجي نحو نظام دولي جديد، تتراجع فيه المركزية الأميركية من دون أن تحلّ محلّها هيمنة صينية مكتملة، ما يخلق حالة “فراغ قوة نسبي” تُدار بالتوتر أكثر مما تُدار بالتوازن.
الصين اليوم ليست تلك الدولة النامية التي كانت قبل ثلاثة عقود، بل أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم بحجم ناتج محلّي يقترب من 18 تريليون دولار، بينما لا تزال الولايات المتحدة تتصدّر الاقتصاد العالمي بناتج يتجاوز 29 تريليون دولار. في حين تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين في السنوات الأخيرة 680 مليار دولار سنوياً، رغم الحرب التجارية والعقوبات والرسوم الجمركية.
وفي المجال العسكري، تنظر الولايات المتحدة بقلق متزايد إلى التوسّع السريع في قدرات الجيش الصيني، خصوصاً القوة البحرية. فقد أصبحت الصين تمتلك أكبر أسطول بحري في العالم من حيث عدد القطع البحرية، مع تسارع في بناء حاملات الطائرات والغوّاصات وأنظمة الصواريخ فرط الصوتية. وتخشى واشنطن من أن يؤدّي هذا التوسّع إلى إنهاء التفوّق العسكري الأميركي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
ومن المقرّر أن تعلن الصين في عام 2027، وبمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني امتلاكها جيشاً قادراً على خوض الحروب الخارجية، بعد أن كانت مهمّته في الماضي تقتصر على الدفاع عن البلاد.
اقتصاد عالمي تحت ضغط السياسة…
تأتي الزيارة في وقت يواجه الاقتصاد الأميركي مزيجاً من التباطؤ الهيكلي والضغوط المالية المتراكمة. فالنمو الذي يقترب من 2% لا يعكس قوة اقتصادية مستقرة بقدر ما يعكس اقتصاداً يقترب من حدود قدرته التوسّعية في ظلّ دين عامّ يتجاوز 35 تريليون دولار.
لكنّ الأرقام وحدها لا تشرح الصورة الكاملة. فالأهمّ هو التحوّل في بنية الاقتصاد الأميركي نفسه، إذ لم يعد قطاع التصنيع يشكّل مركز الثقل كما في العقود السابقة، بل أصبح الاقتصاد يعتمد بشكل متزايد على الخدمات، التكنولوجيا، والأسواق المالية، وهي قطاعات أكثر حساسية للتقلّبات العالمية.
وفي الخلفيّة، يتزايد الضغط السياسي الداخلي، خصوصاً في ولايات الغرب الأوسط (12 ولاية)، حيث لا تزال ذاكرة فقدان الوظائف الصناعية لصالح الصين والهند والمكسيك حاضرة بقوة، ما يجعل الصين ليست فقط ملفاً خارجياً، بل قضية انتخابية داخلية.
في المقابل، تبدو الصين أكثر تماسكاً ظاهرياً، لكنها تواجه تحدّيات بنيوية عميقة. فالأزمة العقارية لم تعد مجرّد تباطؤ في قطاع، بل أصبحت تهديداً لنموذج النمو الصيني نفسه، الذي اعتمد لعقود على الاستثمار العقاري والبنية التحتية.
كما أنّ تراجع تدفّقات الاستثمار الأجنبي المباشر بأكثر من 10% يعكس تحوّلاً أوسع في سلوك الشركات العالمية، التي بدأت تنظر إلى الصين ليس فقط كسوق، بل كمخاطر جيوسياسية يجب إدارتها.
الحرب التجارية كإعادة تشكيل للعولمة
الحرب التجارية بين واشنطن وبكين لم تعد حرب رسوم جمركية، بل عملية إعادة تعريف للعولمة نفسها. فالعولمة التي قادتها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة كانت تقوم على فرضيّة بسيطة: التكامل الاقتصادي يؤدّي إلى الاستقرار السياسي.
لكنّ التجربة مع الصين قلبت هذه الفرضيّة، إذ تحوّل التكامل الاقتصادي إلى أداة تنافس استراتيجي. وكانت النتيجة ليست فكّ ارتباط فقط، بل “تفكّكاً جزئياً منظّماً” لسلاسل الإمداد العالمية. فالشركات الأميركية لم تخرج من الصين، لكنها أعادت توزيع المخاطر عبر آسيا، ما أدّى إلى نشوء ما يمكن تسميته “عولمة متعددة المراكز” بدل العولمة الأحادية السابقة.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أنّ تكلفة هذا التحوّل رفعت أسعار الإنتاج في بعض القطاعات بين 5% و12%، ما يعني أنّ المستهلك الأميركي نفسه أصبح جزءاً من كلفة الصراع الجيوسياسي.
الداخل الأميركي: السياسة الخارجية كأداة انتخابية…
لا يمكن فهم زيارة ترامب من دون العودة إلى الداخل الأميركي، إذ أصبحت السياسة الخارجية امتداداً مباشراً للسياسة الداخلية. ففي النظام السياسي الأميركي المعاصر، لم تعد الحروب التجارية أو الاتفاقات الدولية تُقاس فقط بمخرجاتها الاستراتيجية، بل بقدرتها على إنتاج “صور سياسية” قابلة للاستهلاك الإعلامي.
من هنا، تتحوّل الصين إلى ملف مثالي يمكن توظيفه سياسياً، فهي بلد ( قوي بما يكفي ليبدو الإنجاز معه مهماً، ومعقّداً بما يكفي لتبرير أيّ فشل حتى لو كان جزئياً).
وتسعى الإدارة الأميركية إلى تحقيق مكاسب رمزية مثل: تمرير صفقات لزيادة صادرات فول الصويا ولحوم الأبقار والدواجن، وتوقيع صفقة محتملة لبيع 500 طائرة بوينغ للصين، فتح جزئي للسوق الصينية أمام بعض المنتجات الأميركية. لذا، دعت واشنطن مسؤولين من شركات كبرى مثل: (آبل وإنفيديا وإكسون موبايل) لمرافقة ترامب في رحلته.
لكن خلف هذه الأهداف، يدرك صانع القرار الأميركي أنّ المعركة الحقيقية ليست تجارية، بل تتعلّق بمن يكتب قواعد النظام الاقتصادي العالمي المقبل.
على الجانب الآخر، لم تعد الصين تتعامل مع الولايات المتحدة كقوة يجب التكيّف معها، بل كقوة يجب إدارة التوازن معها. فبكين تعتمد على استراتيجية “الصبر الهيكلي”، التي تقوم على “تحويل الزمن إلى أداة قوة”. وهذا يظهر في: بناء سلاسل صناعية بديلة، توسيع النفوذ عبر أكبر مشروع اقتصادي عرفه التاريخ (الحزام والطريق)، السيطرة على المعادن النادرة، الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدّمة. والأهمّ من ذلك كلّه هو أنّ الصين لا ترى المنافسة كصراع صفري، بل كعملية انتقال تدريجي في مركز الثقل العالمي.
عودة الجغرافيا السياسية..
أحد أهمّ التحوّلات في النظام الدولي هو عودة الجغرافيا السياسية إلى قلب الاقتصاد العالمي. فالمناطق التي كانت تُعدّ “هامشية” في زمن العولمة أصبحت اليوم مراكز صراع، مثل: منطقة بحر الصين الجنوبي، تايوان، المضائق البحرية التي تتعلق بالطاقة، ممرات الشحن العالمية.
هذه المناطق لم تعد مجرّد خطوط على الخريطة، بل صارت عقداً في شبكة الاقتصاد العالمي. فبحر الصين الجنوبي وحده يمر عبره ما يقارب ثلث التجارة البحرية العالمية، ما يجعله نقطة اختناق استراتيجية لأيّ صراع محتمل.
وتؤدّي أوروبا دوراً معقّداً في هذا الصراع. فهي ليست طرفاً مباشراً، لكنها ليست محايدة أيضاً. فالاتحاد الأوروبي يعتمد على الولايات المتحدة في الأمن، وعلى الصين في التجارة، ما يضعه في موقع “التوازن القلق”.
ومع تصاعد القيود الأميركية على التكنولوجيا، تجد الشركات الأوروبية نفسها مضطرة إلى إعادة التفكير في سلاسل الإمداد، خصوصاً في قطاعات السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات.
هذا الوضع يخلق ما يمكن تسميته بـ”الاستقلال الأوروبي غير المكتمل”، حيث الرغبة في الاستقلال لا تتطابق مع القدرة الفعلية عليه.
أشباه الموصلات.. قلب الحرب الباردة الجديدة
إذا كانت الحرب الباردة السابقة تدور حول الصواريخ، فإنّ الحرب الحالية تدور حول الرقائق. فالسيطرة على أشباه الموصلات تعني السيطرة على: (الذكاء الاصطناعي، الصناعات العسكرية، الاقتصاد الرقمي).
وتشير التقديرات إلى أنّ: 75% من الرقائق المتقدّمة تُصنع في شرق آسيا، كما أنّ الولايات المتحدة لا تزال تعتمد على الخارج في التصنيع الفعلي، وهذا يجعل تايوان عنصراً حاسماً في المعادلة، ليس فقط سياسياً، بل اقتصادياً أيضاً.
ويُعدّ الذكاء الاصطناعي اليوم أخطر ساحات التنافس بين الطرفين. فالولايات المتحدة تدرك أنّ من يسيطر على الذكاء الاصطناعي سيقود الاقتصاد العالمي والقدرات العسكرية خلال العقود المقبلة. ولذلك، تحاول واشنطن منع الصين من الوصول إلى أشباه الموصلات المتقدّمة، بينما تستثمر بكين مئات المليارات في هذا القطاع بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي والتحوّل إلى قوة تكنولوجية مستقلة.
ولا يمكن تجاهل الدور الروسي في هذا المشهد. فالحرب في أوكرانيا دفعت موسكو إلى تعميق علاقاتها مع الصين، ما خلق محوراً اقتصادياً جديداً خارج النظام الغربي.
هذا التحالف غير الرسمي بين موسكو وبكين لا يقوم على تحالف أيديولوجي، بل على تقاطع مصالح: فالصين تحتاج إلى الطاقة، وروسيا تحتاج الأسواق، وكلتاهما تواجهان ضغوطاً غربية.
لقد أصبح قطاع الطاقة أداة جيوسياسية بامتياز. فالصين تعيد توجيه وارداتها النفطية نحو روسيا وإيران، بينما تحاول الولايات المتحدة استخدام العقوبات كأداة لضبط السوق.
لكنّ النظام المالي العالمي نفسه أصبح أكثر تعددية، مع صعود استخدام العملات البديلة في التجارة الثنائية، ما يقلّل تدريجياً من مركزية الدولار من دون أن يلغيه.
في النهاية، زيارة ترامب إلى بكين ليست حدثاً دبلوماسياً عابراً، بل لحظة تكثيف لصراع أعمق بكثير، صراع حول شكل النظام العالمي نفسه.
فالولايات المتحدة تحاول إبطاء تراجع نسبي في الهيمنة، والصين تحاول إدارة صعود طويل الأمد، بينما يقف العالم بينهما في حالة إعادة تشكيل مستمرة.
إنه عالم لا تحكمه قطبية واضحة، بل شبكة معقّدة من التوازنات المتغيّرة، حيث تصبح القوة ليست في الحسم، بل في القدرة على إدارة عدم الاستقرار.
فبينما يسعى ترامب إلى “نصر سريع” يمكن تقديمه سياسياً، تتحرّك الصين وفق منطق مختلف: نصر لا يُعلن، بل يُراكم.
وفي هذه المعادلة، لا يبدو أنّ أحداً سيخرج منتصراً بالكامل، لكنّ المؤكّد أنّ النظام العالمي الذي عرفه القرن الماضي لم يعد قائماً كما كان.
أستاذ الدراسات الدولية في جامعة صن يات سين- الصين.
