الخميس, مايو 14, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيبين واشنطن وبكين وطهران: العالم يدخل عصر ما بعد المركز الواحد .....

بين واشنطن وبكين وطهران: العالم يدخل عصر ما بعد المركز الواحد .. أحمد الدرزي

سودان تمورو

حين يذهب دونالد ترامب إلى بكين للقاء شي بينغ فإنّ المشهد يتجاوز كثيراً حدود قمة سياسية تقليدية بين قوّتين عظميين. فالعالم يعيش اليوم لحظة انتقال تاريخي عميقة، تتآكل فيها تدريجياً أسس النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي، بينما تظهر في المقابل مراكز قوة جديدة لا تشبه النموذج الغربي الذي حكم العالم طوال العقود الماضية، بل منذ قرنين تقريباً من الهيمنة الغربية المتعاقبة بين فرنسا وبريطانيا ثمّ الولايات المتحدة.

لسنوات طويلة بدا أنّ العولمة الليبرالية الغربية تمثّل “النهاية الطبيعية” لتطوّر المجتمعات البشرية، وأنّ الدول الراغبة بالصعود لا بدّ أن تندمج بالكامل في النظام الاقتصادي والسياسي الذي تقوده واشنطن. غير أنّ العقدين الأخيرين كشفا أنّ التاريخ أكثر تعقيداً من تلك الفرضيّة، وأنّ هناك قوى كبرى وإقليمية استطاعت أن تبني نماذج مختلفة للحداثة والسيادة والتنمية من دون الذوبان الكامل في المركز الغربي.

تمثّل الصين المثال الأوضح على هذا التحوّل. فهي لم تصعد عبر الاحتلال العسكري أو التوسّع الإمبراطوري التقليدي، بل عبر الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية. ومن خلال “مبادرة الحزام والطريق” سعت بكين إلى بناء فضاء اقتصادي عالمي جديد يرتبط بها تدريجياً من دون فرض هيمنة مباشرة على الدول.

لكنّ الصين ليست وحدها في هذا المسار.

فهناك أيضاً إيران التي تمثّل نموذجاً مختلفاً تماماً، وأكثر إزعاجاً للنظام الغربي من زاوية أخرى. فإذا كانت الصين قد دخلت الاقتصاد العالمي من موقع القوة الإنتاجية الهائلة، فإنّ إيران اختارت منذ عقود مساراً يقوم على بناء الاستقلال تحت الحصار والعقوبات والضغط العسكري والسياسي المستمر.

ورغم الاختلاف الجذري بين التجربتين الصينية والإيرانية، فإنّ كلتيهما تلتقيان عند نقطة مركزية واحدة:
السعي إلى بناء قرار سيادي مستقل عن البنية التقليدية للنظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بالاستناد إلى جذورها الثقافية الخاصة.

في الحالة الإيرانية، لا يمكن فهم التجربة من زاوية الصراع السياسي وحده، لأنّ ما جرى خلال العقود الماضية يتجاوز ذلك إلى محاولة تأسيس نموذج “دولة مقاومة للعزل”. فإيران، التي واجهت حصاراً اقتصادياً وتكنولوجياً واسعاً، دفعت باتجاه تطوير قدراتها الذاتية في مجالات متعدّدة:

● الصناعات العسكرية

● الصواريخ البالستية

● الطائرات المسيّرة

● التكنولوجيا النووية المدنية

● تقنية النانو

● الصناعات الدوائية

● الزراعة

● والصناعات الثقيلة.

وقد نجحت، بدرجات متفاوتة، في بناء بنية معرفيّة وصناعيّة محليّة سمحت لها بتقليص اعتمادها على الخارج بصورة لافتة مقارنة بظروف الحصار المفروض عليها.

ولذلك لا ترى طهران نفسها مجرّد دولة إقليمية تواجه الغرب، بل مشروع استقلال استراتيجي طويل الأمد. ومن هنا تحديداً تنبع حساسية النموذج الإيراني بالنسبة للنظام الغربي؛ فالمسألة لا تتعلّق فقط بالخلاف حول البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي أو أمن “إسرائيل” أو حركات المقاومة في غرب آسيا، بل بالخوف من نجاح فكرة “الاستقلال خارج المنظومة” نفسها، وانتقالها إلى دول أخرى، خصوصاً في العالم النامي.

إنّ أخطر ما يمكن أن تواجهه البنية الاقتصادية والسياسية التي قادت العولمة الغربية ليس وجود خصم عسكري مباشر، بل انتشار نماذج سياسية واقتصادية تثبت أنّ بناء قدر من الاكتفاء والسيادة الوطنية لا يزال ممكناً خارج شروط الاندماج الكامل بالمركز الغربي بوصفه النموذج الوحيد الممكن للتقدّم والبقاء.

ولهذا تبدو الضغوط على إيران متعدّدة الأبعاد: اقتصادية، ومالية، وإعلامية، وأمنية، وسياسية.

فالهدف لا يقتصر على احتواء النفوذ الإيراني، بل يمتدّ إلى منع تحوّل التجربة الإيرانية إلى نموذج إلهام لدول أخرى تسعى إلى بناء استقلالها التكنولوجي والسياسي والاقتصادي.

وبين النموذجين الصيني والإيراني تقف روسيا بوصفها قوة تسعى بدورها إلى كسر البنية الأحادية التي تشكّلت بعد الحرب الباردة، بعد اكتشافها استحالة الانضمام للنظام الغربي، مستندة إلى ثقلها العسكري والجيوسياسي ومواردها الاستراتيجية الهائلة. ورغم الكثير من الاختلافات بين موسكو وبكين وطهران، فإنّ القاسم المشترك بينها يتمثّل في رفض استمرار النظام الدولي بصيغته الغربية الأحادية المهدّدة لها.

ومع ذلك، من الضروري تجنّب القراءة التبسيطية للصراع. فإيران، رغم نجاحاتها الواضحة في مجالات عديدة، لا تزال تواجه تحدّيات داخلية عميقة أغلبها بسبب العقوبات التي تجاوزت 46 عاماََ: سياسية، واقتصادية، وتنموية، واجتماعية، ومعيشية واستثمارية، قد تعيد النظر بها إذا ما انتهت الحرب بنتائجها لصالحها، وهذا أمر ممكن وفقاََ للمؤشرات الحالية.

كما أنّ الحديث عن “اكتفاء ذاتي كامل” غير ممكن فعلياََ، لأنّ الاقتصاد العالمي المعاصر يقوم أساساً على الترابط والتبادل المعقّد بين الدول، حتى بالنسبة للقوى الكبرى نفسها.

لكن ما لا يمكن إنكاره هو أنّ التجارب الصينية والإيرانية والروسية، رغم اختلافاتها العميقة، تعكس تحوّلاً عالمياً مهماً: تراجع فكرة النموذج الواحد الإلزامي للعالم.

ففي حين ترى واشنطن أنّ النظام الدولي ينبغي أن يبقى قائماً على مركزية الغرب السياسية والاقتصادية والثقافية، تتحرّك قوى أخرى باتجاه عالم أكثر تعدّدية، ليس فقط على مستوى موازين القوة، بل أيضاً على مستوى تعريف الحداثة والتنمية والسيادة نفسها.

ومن هنا تصبح القمة بين واشنطن وبكين أكثر من مجرّد تفاوض بين قوتين عظميين؛ إنها مواجهة بين تصوّرين للتاريخ:

● تصوّر يرى العالم قابلاً للإدارة من مركز واحد.

● وآخر يرى أنّ القرن الحادي والعشرين يتجه نحو تعدّد المراكز والحضارات والثقافات والنماذج السياسية المنسجمة مع تاريخها وجغرافيتها ومصالحها الخاصة.

وربما لهذا السبب يبدو التوتر الغربي اليوم أعمق من مجرّد صراع جيوسياسي تقليدي، لأنه يرتبط بإدراك متزايد بأنّ العالم الذي تشكّل بعد الحرب الباردة لم يعد قادراً على الاستمرار بالصورة نفسها، وأنّ قوى جديدة — من الصين إلى إيران مروراً بروسيا ودول صاعدة أخرى — باتت تدفع تدريجياً نحو إعادة تشكيل قواعد النظام الدولي.

إنها ليست نهاية الغرب، كما يتصوّر البعض، لكنها على الأرجح نهاية اللحظة التاريخية التي كان فيها الغرب وحده قادراً على تعريف العالم وتحديد مساراته منفرداً.

أما ما إذا كان القرن الحادي والعشرون سيشهد انتقال المركز العالمي بالكامل نحو الشرق، أم ولادة توازن دولي أكثر تعقيداً، أم حتى انفجارات كبرى تعيد تشكيل المشهد من جديد، فذلك سؤال لا يزال التاريخ نفسه يكتبه حتى الآن.

كاتب سورى

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات