الأحد, يونيو 7, 2026
الرئيسيةأخبار العالم الناتو بنتقد سياسة الرئيس ترامب .. هذا ما فعله بنا رئيس أمريكي...

 الناتو بنتقد سياسة الرئيس ترامب .. هذا ما فعله بنا رئيس أمريكي “لا مثيل له”

سودان تمورو
عادة ما يتبادل كبار المسؤولين الابتسامات أمام الكاميرات، ويتحدثون في المؤتمرات الصحفية عن تعزيز العلاقات، لكن في الكواليس تدور رحى ضغوط تصل أحيانا إلى الملاسنات. فقد قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأمين عام حلف شمال الأطلسي “الناتو” ورئيس وزراء النرويج السابق ينس ستولتنبرغ: “عليك العودة إلى السياسة النرويجية. سيكون ذلك أفضل للنرويج وحلف الناتو على حد سواء”، فأتاه رد ستولتنبرغ: “سأعود إلى أوسلو يوم عودتك أنت إلى السياسة المحلية في سانت بطرسبرغ”، وهي المدينة التي عمل بوتين في مكتب عمدتها منتصف تسعينيات القرن الماضي.

بعيدا عن لقاءات القادة، كثيرا ما نسمع عن حلف الناتو، والقمة السنوية لزعمائه، وطلبات البيت الأبيض لأعضاء الحلف بزيادة الإنفاق العسكري، أما المتخصصون فيتابعون تدريبات الناتو، وحجم انتشار قواته، وتوزيعها الجغرافي، ويدرسون العمليات التي نفذها في أفغانستان وليبيا وغيرهما، لكنهم قد يغفلون عن مجريات الأمور داخل الحلف.

هنا تبرز أهمية مذكرات ينس ستولتنبرغ أمين عام حلف الناتو السابق خلال الفترة بين عامي 2014-2024، والتي نشرها عام 2025 بعنوان “في عهدي: قيادة الناتو في زمن الحرب”، فهو يوضح فيها دور أمين عام الحلف، وطبيعة النقاشات والخلافات بين الدول الأعضاء، وأهم التحديات التي تواجه مسيرته، فضلا عن كواليس الحروب في أوكرانيا وأفغانستان، والمداولات الخاصة بهما، وكذلك تذبذبات العلاقة بينه وبين الرئيس الأمريكي ترمب.

معلومات رمزية
في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2014، وصل ينس ستولتنبرغ الأمين العام الثالث عشر للحلف إلى مقر الناتو في بروكسل، وحين دخل مكتبه للمرة الأولى انبهر بالسجادة الزرقاء المعلقة على الحائط حاملة شعار الحلف، وظن أن الشعار يجسد نجمة فأشاد بجماله، لكن مدير المراسم نبهه قائلا: “سيدي هذه ليست نجمة، إنها بوصلة”.

إعلان

لم تكن تلك أولى المعلومات الجديدة التي عرفها ينس عن الناتو في مستهل قيادته للحلف، فسرعان ما عرف أيضا أن السجادة الحمراء لا تفرش داخل مقر الناتو، إنما تفرش سجادة ذات لون أزرق، لأنه اللون الذي يرمز إلى المحيط الأطلسي الذي يقبع الحلف على ضفتيه الأمريكية والأوروبية.

“السجادة الحمراء لا تفرش داخل مقر الناتو، إنما تفرش سجادة ذات لون أزرق في إشارة إلى المحيط الأطلسي”

أما المعلومة الثالثة، فتوضح كيف أثرت الأقدار وتفاعلات الأحداث على مسيرة الحلف. ففي أثناء زيارة ينس إلى القائد الأعلى لقوات الناتو في أوروبا، والذي يشغل في الوقت ذاته منصب قائد القيادة الأمريكية الأوروبية، في مقره بمدينة مونس، على بعد ساعة بالسيارة من بروكسل، شرح له القائد سبب وجود المقر في تلك المدينة تحديدا قائلا: “في عام 1966، قرر الرئيس الفرنسي ديغول طرد قوات الناتو والقوات الأمريكية من فرنسا، وكان مقرنا في باريس، فتوجهنا شمالا عبر الحدود إلى بلجيكا، وفي طريقنا وجدنا في مونس هذه القلعة الجميلة، فأقمنا بها”.

أخذ ينس يتلمس طريقه بتلك المعلومات الرمزية إلى قيادة الحلف، وهو منصب بقي فيه 10 سنوات رغم أن فترة ولاية الأمين العام للناتو 4 سنوات فقط. فكيف وصل ستولتنبرغ إلى هذا المنصب الرفيع؟ ولماذا استمر في منصبه كل هذا الوقت؟

سيرة ذاتية
ولد ينس عام 1959 لزوجين من أعضاء حزب العمال الاشتراكي النرويجي، وكان والده يشغل منصب وزير الدفاع والخارجية في النرويج، كما خدم سفيرا لبلاده لدى الأمم المتحدة، في حين عملت والدته وزيرة دولة في وزارتي التجارة والصناعة، ومن ثم تشكل وعيه ضمن عائلة سياسية ناقشت الشأن العام يوميا على مائدة الطعام.

في شبابه، انضم ينس إلى منظمة الشباب التابعة لحزب العمال، وفي عام 1989 عمل باحثا في هيئة الإحصاء النرويجية، ثم شغل منصب وزير دولة في وزارة البيئة، قبل أن يخوض العمل البرلماني ويتدرج في هياكل حزب العمال، ثم يصبح زعيم الكتلة البرلمانية للحزب.

وصل ستولتنبرغ إلى قمة السياسة عام 2000 حين تولى رئاسة الوزراء للمرة الأولى. لكن هذه التجربة لم تدم طويلا؛ إذ خسر حزبه في الانتخابات البرلمانية لعام 2001، واضطر ينس إلى مغادرة المنصب بعد عامين ليس إلا. غير أن عودته إلى رأس السلطة جاءت أقوى عام 2006؛ إذ شغل منصب رئيس الوزراء مجددا لثماني سنوات متتالية، انتهت عام 2014.

بعد خروجه من رئاسة الحكومة، طرح اسم ستولتنبرغ كمرشح محتمل لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، خلفا لبان كي مون. وبحسب ما يذكر ينس، فقد حظي بدعم عدد من الدول، غير أن الغموض لف موقف الصين، على خلفية رفض الحكومة النرويجية في عهده الاعتذار عن منح جائزة نوبل للسلام إلى الناشط الصيني ليو شياوبو عام 2010، وهو ما أغلق مسار توليه المنصب الأممي.

“تسبب التحفظ الصيني في حرمان ستولتنبرغ من منصب الأمين العام للأمم المتحدة”

في الرابع من سبتمبر/أيلول 2013، حضر ستولتنبرغ في ستوكهولم بدعوة من رئيس الوزراء السويدي فريدريك راينفلت عشاء ضم قادة الدنمارك وفنلندا وآيسلندا والنرويج والسويد مع الرئيس الأمريكي أوباما، قبيل سفره إلى سانت بطرسبرغ للقاء الرئيس بوتين.

قبل العشاء، فاجأ أوباما ينس بإشارة إلى متابعته إحدى حيل حملته الانتخابية، حين تنكر في هيئة سائق سيارة أجرة في شوارع أوسلو ليستمع مباشرة إلى آراء المواطنين، ثم دعا أوباما الحاضرين إلى طرح حجج مضادة بشأن قراره المحتمل بتوجيه ضربة عسكرية للنظام السوري عقب استخدامه السلاح الكيميائي. وافقت رئيسة الوزراء الدنماركية على خيار القصف، في حين اتخذ ينس موقفا مغايرا، وحذر من أن قصف النظام السوري قد يجعله أخطر، فضلا عن غياب تفويض من مجلس الأمن.

ستولتنبرغ (الثاني يمين) في ستوكهولم يحضر دعوة عشاء راينفلت ضمت قادة الدنمارك وفنلندا وآيسلندا والنرويج والسويد مع الرئيس الأمريكي أوباما (الثالث يمين) في 4 سبتمبر/أيلول 2013 (الفرنسية)
وحين رد أوباما بأن انتظار الأمم المتحدة غير ممكن بسبب الفيتو الروسي، استعاد ينس حججه التي سبق أن طرحها قبيل غزو العراق عام 2003: احترام القانون الدولي ومنع الحرب إلا دفاعا عن النفس أو بتفويض أممي، ثم حذر من أن العمل العسكري خارج هذا الإطار سيقوض النظام الدولي. ورجح ينس أن أوباما ربما رآه “حمامة” في قضايا الأمن، لكنه علم لاحقا من مقربين من البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي رأى فيه شخصا متوازنا.

بعد عدة أيام من حفل العشاء، لمحت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في مكالمة هاتفية إلى قرب شغور منصب الأمين العام للناتو مع مغادرة أندرس راسموسن في خريف 2014، مشيرة إلى صعوبة تعيين شخصين إسكندنافيين في المنصب ذاته على التوالي. ولكن سرعان ما تبين أن ميركل وأوباما بدآ التنسيق بشأن تولي ينس للمنصب، وتلقت وزيرة الدفاع النرويجية طلبا رسميا من واشنطن بترشيح ينس، مدعوما من ألمانيا وبولندا.

كان ينس خبيرا اقتصاديا يميل إلى الأرقام والجداول والرسوم البيانية، وعمل في السياسة الداخلية على قضايا مثل معاشات التقاعد وإصلاح القطاع العام، بينما ركزت مشاركاته الدولية على تحديات التغير المناخي وصحة الأطفال. ولم يكن الرجل يحبذ المفاوضات المطولة، والنقاشات المملة حول صياغة البيانات، لكنه رأى تقاربا بين فلسفة الناتو الجماعية والفكرة الاشتراكية الديمقراطية القائلة بأن العمل الجماعي يحقق نتائج أكثر مما يحققه العمل الفردي. وفي يوم 28 مارس/آذار 2014، أقنعت الولايات المتحدة وألمانيا جميع الدول الأعضاء بالحلف بدعم ترشيحه.

ينس كان خبيرا اقتصاديا يميل إلى الأرقام والجداول والرسوم البيانية، وعمل في السياسة الداخلية على قضايا مثل معاشات التقاعد وإصلاح القطاع العام (الفرنسية)
في قلب آلة صنع القرار
حين تسلم ينس منصبه على رأس الحلف الغربي، كان الناتو قد شهد سنوات من الانكماش بعد نهاية الحرب الباردة؛ فقد تقلص هيكله القيادي، وخفض عدد موظفيه المدنيين إلى النصف ليبلغ 13500 شخص. وفي حقبة انتشار الناتو في البوسنة وكوسوفو وأفغانستان، أعيد تنظيمه لإدارة عمليات عسكرية خارج أوروبا، ومن ثم تراجعت الجيوش الأوروبية من حيث الجاهزية والقدرة القتالية في مواجهة الجيوش النظامية داخل أوروبا. وفي الوقت نفسه، لم يول الحلف اهتماما يذكر لتحديات آخذة في التشكل، مثل صعود الصين والأمن السيبراني. وجاء ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 ليكشف هذا الخلل. فبدأت عملية إعادة هيكلة الناتو وتسليحه وتحديثه، كي يتمكن من أداء مهمته الأساسية.

بالانتقال إلى داخل الناتو، يشرح ينس أهمية اجتماعات مجلس شمال الأطلسي، الهيئة العليا لصنع القرار في الحلف التي تتألف من سفراء الدول الأعضاء، وهي مسؤولة عن العمليات والمناورات العسكرية، ووضع المعايير الفنية للأسلحة والمعدات التي تمتلكها جيوش دول الناتو. فليس لدى الحلف جيش خاص به، بل يمتلك هيكل قيادة دائما يضم ضباطا عسكريين، وإذا وقعت أزمة، يمكن لكل دولة عضو في الحلف دمج جيشها وقواتها في هذا الهيكل. ولذا يولي الناتو أهمية للتدريبات على التشغيل البيني بين قوات أعضائه، وتطوير نظام قيادة وتحكم فعال، ووضع معايير عسكرية موحدة.

“هناك مهمتان رئيسيتان للأمين العام للناتو: قيادة الحلف كمنظمة إدارية ورئاسة اجتماعات مجلس شمال الأطلسي”

هناك مهمتان رئيسيتان للأمين العام للناتو: قيادة الحلف كمنظمة إدارية ورئاسة اجتماعات مجلس شمال الأطلسي. ويجتمع المجلس عدة مرات أسبوعيا على مستوى السفراء، وفي مرات أقل على مستوى وزراء الدفاع أو الخارجية، فضلا عن اجتماع قادة الدول الأعضاء خلال القمم السنوية. ويعمل الأمين العام ممثلا رئيسيا للحلف ومتحدثا رسميا باسمه في التواصل مع الحكومات وفي الشؤون العامة، كما يتلقى أسبوعيا إحاطة استخبارية من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.

ويرشح الأمين العام من طرف الحكومات الأعضاء لفترة أولية مدتها أربع سنوات. وعادة ما يكون شخصية سياسية ذات خبرة في قيادة حكومة إحدى دول الناتو. ورغم أن القرار النهائي يبقى بيد الدول الأعضاء، فإن نفوذ الأمين العام لا يستهان به، إذ إن قيادة منظمة بهذا الحجم تتيح له وضع جدول الأعمال، وتهيئة المناخ السياسي لصنع القرار.

اصطحب ينس عددا من زملائه النرويجيين السابقين ليعملوا في مكتبه، أبرزهم سفير النرويج بالناتو الذي أصبح مديرا لمكتبه، ورئيسة قسم الاتصالات في مكتب رئيس الوزراء النرويجي لتعمل لديه مستشارة اتصالات، والمساعد العسكري السابق لوزيرة الدفاع ليعمل مساعدا عسكريا. وأوضح ينس دوافعه قائلا: “أظهرت لي فترة ولايتي كرئيس وزراء النرويج أهمية بناء علاقات مع مجموعة صغيرة من الأشخاص الذين أثق بهم ثقة تامة. هذا النوع من الفريق المتماسك والوثيق منحني قوة أكبر في قيادة الناتو”.

ارتباك البدايات
لم تخل أشهر ستولتنبرغ الأولى من صعوبات كما يقول، إذ لم يكن قد اكتسب بعد الثقة الكافية بالنفس لقيادة التحالف بفعالية. ففي أحد اجتماعات مجلس شمال الأطلسي، افتتح الجلسة في موعدها، لكن قاطعه سفير وطالبه بالانتظار حتى يصل جميع الأعضاء. تردد ينس ثم وافق، لكنه فهم لاحقا أن التردد في مثل هذه اللحظات يقرأ كضعف.

زاد الأمر تعقيدا مبدأ التوافق بين الدول الأعضاء لاعتماد القرارات، وهو مبدأ يضمن وحدة التحالف، لكنه يجعل عملية اتخاذ القرار بطيئة وشاقة. ومع الوقت، بدأ ينس يكيف أسلوبه، وصار يطلع على الأوضاع السياسية الداخلية في كل دولة واستطلاعات الرأي فيها، لفهم السياق الذي يتحدث محاوروه انطلاقا منه. كما استخدم وسائل تواصل غير رسمية، مثل إرسال الرسائل النصية وتبادل التهاني والصور العائلية، لبناء الثقة وتهيئة أرضية أفضل للنقاشات.

وجاءت اللحظة الفاصلة أثناء أزمة اللاجئين عام 2016. فقد كان الموقف السائد بين السفراء هو إبعاد الناتو عن الأزمة، لكن ينس بدعم من المستشارة الألمانية ووزيرة دفاعها، طرح استخدام سفن الناتو لتنفيذ الاتفاق الأوروبي التركي للحد من تدفق اللاجئين عبر بحر إيجه. ووافق الوزراء لكن التنفيذ تعطل من طرف السفراء بسبب محاولات بعضهم إعادة التفاوض على الاتفاق. وعندها نفد صبر ستولتنبرغ، وطلب من السفراء الاتصال بعواصمهم لتأكيد ما اتفق عليه، وأعلن أنهم سيبقون في القاعة حتى الوصول إلى قرار. بعد ساعات طويلة، حسمت آخر الخلافات، وبدأت عملية الناتو في بحر إيجه. ومنذ تلك الليلة، صار ينس يفتتح الاجتماعات في موعدها المحدد، مهما كانت المقاعد فارغة.

اجتماع التحالف الدولي الذي عُقد عام 2016 في مقر الناتو حيث أعلن ستولتنبرغ أن الحلف أطلق مهمة بحرية في بحر إيجة لمكافحة مهربي المهاجرين واللاجئين (الفرنسية)
رئيس أمريكي لا مثيل له
بهذا العنوان بدأ ينس الفصل العاشر من مذكراته، مقرا بأنه حتى قبل وصول ترمب إلى البيت الأبيض، كان ملف تقاسم الأعباء المالية يتصدر النقاشات داخل الحلف. ففي لقاءات أوباما مع رؤساء الدول والحكومات، شدد مرارا على ما اعتبره اختلالا جوهريا في علاقة واشنطن بحلفائها، ولم يتردد في استخدام تعبير “المستفيدين بالمجان” لوصف الدول ذات الميزانيات الدفاعية المحدودة، التي تعتمد على المظلة العسكرية الأمريكية دون أن تتحمل نصيبها. وقد اتفق الحلفاء في قمة ويلز عام 2014 على الوصول لإنفاق دفاعي يعادل 2% من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة، مع تحقيق تلك النسبة خلال عقد من الزمن.

لكن العديد من الدول تذرعت بقيود الائتلافات الحكومية، وأعباء معاشات التقاعد، في حين رأت دول ثرية أن تخصيص 2% من ناتجها المحلي رقم مبالغ فيه لإنفاقه على الدفاع، وسرعان ما تحولت القضية إلى محور عمل يومي لستولتنبرغ، حتى أنه لقب في بعض العواصم الأوروبية بـ “السيد 2%”.

في النصف الأول من عام 2016، بدا أن هيلاري كلينتون متقدمة في استطلاعات الرأي الخاصة بالسباق الرئاسي الأمريكي. وتحدث كثير من الموظفين الأمريكيين بثقة عن الرئيسة القادمة للولايات المتحدة داخل أروقة الناتو، وتطلعوا إلى استقبالها في قمة مايو/أيار 2017، حتى ينس نفسه يعترف أنه اعتبر فوز هيلاري أمرا محسوما.

“حين انتخب ترمب رئيسا، كان القرار داخل الناتو واضحا: احترام النتيجة ثم التحرك لبناء علاقة عمل معه بأسرع وقت ممكن”

لكن في ربيع ذلك العام، دق جرس إنذار مبكر من خارج الدوائر السياسية. ففي حديث جانبي مع الجنرال مايك سكاباروتي، القائد الأعلى الجديد لقوات الحلف في أوروبا، قال الرجل بثقة إن ترمب سيفوز، واستند في ذلك إلى شعور متزايد داخل المجتمع الأمريكي بأن هيلاري تمثل النخبة والسلطة، بينما ينظر إلى ترمب كرجل من عامة الناس رغم ثرائه. لم يعر ينس هذا التقدير في البداية ما يستحقه من اهتمام. واعتقد أن قائدا عسكريا بارزا قد لا يكون الأقدر على قراءة المزاج السياسي. لكن القلق ظل حاضرا، خاصة مع التصريحات المتكررة لترمب خلال حملته، حين وصف حلف الناتو بأنه “عفا عليه الزمن”.

حين انتخب ترمب رئيسا، كان القرار داخل الناتو واضحا: احترام النتيجة ثم التحرك لبناء علاقة عمل مع ترمب بأسرع وقت ممكن، كي يتسنى له ولإدارته تبني نظرة أكثر إيجابية تجاه التحالف. وقد أوضح ينس منذ البداية للموظفين أن الانضباط الذاتي شرط أساسي لعبور هذه المرحلة الحرجة، وشدد أنه لن يسمح بأي استهجان لتغريدات ترمب؛ ولن تكون هناك أي سخرية من مقاطع الفيديو الخاصة به؛ وذلك لتجنب أن يصل إلى واشنطن أن موظفي الناتو يجلسون ويضحكون على الرئيس الأمريكي.

وفي 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، تمكن ينس من الاتصال بترمب لأول مرة. وجاء صوته ودودا على غير ما توقع قائلا: “أنا من أشد المعجبين بحلف الناتو! وأتطلع للعمل معك”. وقد بادر ترمب إلى استشارة ينس في أسماء يفكر في تعيينها بمناصب سيادية أمريكية، رغم أنه لم يكن مألوفا أن يطلب رئيس منتخب حديثا رأي أمين عام الناتو في تشكيل إدارته. وحين سأله ترمب عن تعيين ريكس تيلرسون وزيرا للخارجية، أجابه ينس بأنه “اختيار موفق” بناء على معرفته به من قطاع النفط.

وحين سأله عن ترشيح جيم ماتيس وزيرا للدفاع، تفاجأ ينس، فكل ما عرفه عنه جاء من مسلسل “جيل القتل” الذي شاهده مع ابنه، حيث صور ماتيس كشخصية أسطورية، لكنه لم يكن مستعدا لترشيح وزير دفاع بناءً على عمل درامي. وساد صمت محرج للحظات، قبل أن يناوله مساعده الذي تابع المكالمة ورقة صغيرة كتب عليها: “جيم ماتيس رائع، ويعرف الناتو”. التقط ستولتنبرغ الورقة وقال لترمب: “ماتيس عظيم”.

دعا الرئيس الأمريكي ينس إلى زيارة برج ترمب في نيويورك لعقد لقاء تعارفي قبل تنصيبه رسميا، ومال للموافقة؛ حيث أراد بناء علاقة معه فورا. ولكنه أدرك سريعا أن القبول ليس فكرة جيدة، فعقب زيارة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي لترمب، تبين أن الإدارة المنتهية ولايتها لم تنظر بعين الرضا إلى مثل هذه اللقاءات. ففي النهاية، لا يوجد سوى رئيس واحد، وكان أوباما لا يزال في البيت الأبيض. لذلك، فضل ينس عدم تلبية الدعوة.

يقال إن الحملات الانتخابية تدار بالشعر، أما الحكم فيدار بالنثر. ومن ثم اعتقد ينس أن ترمب، بعد انتهاء الانتخابات، سيتأثر بثقل المنصب ومسؤولياته. وكان هذا التقدير الخاطئ الثاني الذي وقع فيه بشأن ترمب. فسرعان ما اتضح أن مهمته الأساسية ستكون إقناع الرئيس الجديد بأن حلف الناتو ضروري للمصالح الأمريكية.

“اكتشف ينس أن مهمته الأساسية ستكون إقناع ترمب بأن حلف الناتو ضروري للمصالح الأمريكية”

في فبراير/شباط 2017، أجرى ينس مكالمته الهاتفية الثانية مع ترمب، والأولى بعد توليه المنصب رسميا، وتطرقا إلى القضايا الأكثر إلحاحا: مكافحة الإرهاب وروسيا والإنفاق الدفاعي. فقال ترمب: “فوجئت عندما علمت أن ألمانيا مدينة لنا بمليارات الدولارات، أموال لم تدفعها، لكنها ستدفعها”. وفي نهاية مارس/آذار 2017، سافر ينس إلى واشنطن، لبناء علاقات عمل مع شخصيات محورية في الإدارة الأمريكية، فأمضى أكثر من ساعتين في محادثة مطولة مع وزير الدفاع ماتيس داخل البنتاغون لضمان استمرار الحلف حتى إذا اهتزت قناعات ساكن البيت الأبيض بخصوص أهمية الناتو.

ترمب مقابل أوباما
في منتصف أبريل/نيسان 2017، عاد ينس إلى واشنطن للقاء ترمب وجها لوجه للمرة الأولى. وصل ينس إلى البيت الأبيض، وفتح الباب. في العادة كان ليكون أوباما واقفا مبتسما: “ينس، سررتُ برؤيتك! كيف حالك؟ هل إنغريد زوجتك بخير؟” وبعد أسئلة صحفية سريعة تغادر وسائل الإعلام، وتبدأ الجلسة بأجندة واضحة عن العراق وأفغانستان وروسيا والإرهاب والإنفاق الدفاعي.

لكن هذه المرة كان اللقاء مع ترمب، وسرعان ما تبين أن السياق مختلف تماما. حين فتح الباب، لم يكن هناك رئيس في استقبال ستولتنبرغ، فقد جلس ترمب مسترخيا على كرسيه، ورفع رأسه مبتسما: “تفضلوا بالدخول يا شباب”، في ترحيب غريب كسر المألوف. وسرعان ما اتضح أن الحديث سيكون فضفاضا، فانتقل الرجلان من موضوع إلى آخر دون تسلسل واضح.

بينما كان الرجلان يتحدثان عن روسيا، قاطعه ترمب فجأة: “لماذا لا تنضمون إلينا في الناتو في موضوع كوريا؟ إنهم يطورون أسلحة نووية، وهذا أمر لا نقبله”.

تردد ينس لحظة، ثم قال “سيدي الرئيس، جميع الحلفاء قلقون بشأن الأسلحة النووية، لكنني لا أعتقد أن هناك دعما داخل الحلف لقصف كوريا الشمالية”.

رد ترمب سريعا: “لكنكم في أفغانستان. لماذا لا تكونون في كوريا الشمالية؟”.

عاد النقاش فجأة إلى الحديث عن روسيا. واغتنم ينس الفرصة للحديث عن أهمية الحوار مع موسكو، موضحا أنها “دولة كبيرة، وليست تنظيما إرهابيا مثل تنظيم الدولة (داعش)، وبصفتي رئيس وزراء سابق للنرويج، أعرف أن الحديث مع الروس ممكن”.

“حين التقى ترمب ستولتنبرغ لأول مرة بعد تنصيبه، لم يكن يعرف أنه نرويجي أصلا”

هنا نظر إليه ترمب باستغراب سائلا هل أنت نرويجي؟ أجاب: نعم. فسأله ترمب هل تعرف سيلينا ميدلفارت؟ (ثرية نرويجية ورد اسمها في وثائق إبستين) فأجاب ينس أنه يعرفها لأنها شخصية شهيرة في بلده. فقال ترمب: “يا لها من فتاة لطيفة. ما كتبوه عنا في الصحف النرويجية هل كان جيدا أم سيئا؟”.

خلال اللقاء عاد ترمب مرارا إلى القضية التي تشغله أكثر من غيرها، وهي أن خمس دول فقط من أعضاء الحلف البالغ عددهم 28 دولة آنذاك أنفقت 2% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع. حاول ينس التوضيح بأن دولا أخرى قريبة من الهدف، وأن 6 أو 7 دول ستبلغه قريبا. وأوضح أن آيسلندا لا تمتلك قوات مسلحة أصلا، ومن ثم فإن المسألة تتعلق بخمس دول من أصل 27، لكن ترمب سأل: “إذن، ماذا نريد من آيسلندا؟”.

تدخل وزير الدفاع جيم ماتيس وقال: “سيدي الرئيس، من الجيد وجودها في الحلف لأهمية موقعها إذا أردت تعقب الغواصات الروسية”. توقف ترمب لحظة، ثم قال: “حسنا، إذن سنسمح لآيسلندا بالبقاء عضوا في الناتو”.

قمة بروكسل 2017
في 25 مايو/أيار 2017 حضر الرئيس ترمب لأول مرة قمة حلف الناتو، وكانت القمة استثنائية لسببين: حضور رئيس أمريكي جديد لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، وافتتاح المقر الرئيسي الجديد للحلف بعد نصف قرن من العمل في مبانٍ مؤقتة. نوى ينس أن يقدم لترمب بعض المعلومات عن المبنى الجديد وعن طريقة عمل الحلف، لكن ترمب قاطعه مرارا: هل تحتاجون فعلا إلى مقر بهذا الحجم؟ فشرح له ينس أن أقل من نصف العاملين في مقر الناتو يتقاضون رواتبهم من ميزانيته، وأن وفود الدول الأعضاء تستخدم المبنى أيضا، وأن وجود الجميع تحت سقف واحد يسهل الاجتماعات. لكن هذه الإجابة لم تجد تفاعلا.

حاول ينس الانتقال إلى جانب قد يروق لترمب، فأوضح أن الشركة المعمارية “سكيدمور وأوينغز وميريل” التي صممت مقر الحلف هي نفسها التي صممت فندق وبرج ترمب الدولي في شيكاغو، لكن ترمب صاح: “أعرف هؤلاء الأشخاص.. إنهم باهظو الثمن للغاية”.

“خلال أول قمة للناتو يحضرها ترمب قال إن 23 دولة من أصل 28 عضوا بالحلف لا تدفع ما يجب عليها دفعه وإنهم مدينون بمبالغ طائلة”

وقع المحذور في حديقة المقر الجديد، وفجأة قال ترمب: “23 دولة من أصل 28 عضوا بالحلف لا تدفع ما يجب عليها دفعه.. والعديد من هذه الدول مدينة بمبالغ طائلة من السنوات الماضية”. وقفت ميركل وماكرون وسائر القادة يستمعون إليه كأنهم مستأجرون متأخرون عن دفع الإيجار، وكان ذلك صادما لأن ينس في اليوم السابق تسلم نسخة من خطاب معد جيدا لترمب، يتضمن النقاط الأساسية، بما فيها التزام واضح بالمادة الخامسة من الحلف. لكن في لحظة ما، اختار ترمب أن يلقي خطابا مختلفا. كما وقع حدث محرج التقطته الكاميرات، حيث دفع ترمب جانبا رئيس وزراء الجبل الأسود آخر الأعضاء انضماما للحلف، ليأخذ موقعا متقدما أثناء التصوير

بعد عام، وفي قمة يوليو/تموز 2018، كرر ترمب انتقاداته أمام الكاميرات، وأضاف ما بدا تهديدا مباشرا: “إذا لم يدفع الأوروبيون والكنديون المزيد، فقد لا تضمن الولايات المتحدة أمنهم. لماذا نحمي دولا لا ترغب في دفع تكاليف أمنها؟”. وأدرك ينس أن الدخول في جدال علني مع رئيس الولايات المتحدة سيحول المشهد إلى فضيحة.

عاد ترمب إلى تناول المقر الجديد، وهاجمه بالطريقة ذاتها: “المبنى زجاجي، طلقة دبابة تدمره، ضخم بلا داع، وتكلف 3 مليارات يورو (نحو 3.2 مليارات دولار). والولايات المتحدة دفعت 90% من تكلفته”. فرد ينس موضحا أن البناء اكتمل بميزانية مليار يورو فقط (نحو 1.1 مليار دولار)، ومساهمة واشنطن بلغت 22% من التكلفة، لكن جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي نصحه على انفراد قائلا: “لا تدخل في أي نقاش مع الرئيس، وخاصة فيما يتعلق بالأرقام، لن يجدي ذلك نفعا”.

“قال جون بولتون لأمين عام الناتو إنه من غير المجدي الدخول في أي نقاش مع ترمب خاصة حول الأرقام”

تفاقم الأمر حين هدد ترمب قائلا: “الولايات المتحدة لن تستمر في كونها عضوا في الحلف إلا إذا دفعت ألمانيا والولايات المتحدة المبلغ ذاته.. سأغادر هذا الاجتماع.. لا سبب لوجودي هنا”. في تلك اللحظة، بدا أن حلف الناتو قد ينهار، فإذا قال رئيس أمريكي إنه لم يعد يريد الدفاع عن الحلفاء وغادر احتجاجا، ستصبح معاهدة التحالف قطعة ورق. لإنهاء التوتر قال ينس: “نعم، الرئيس ترمب محق.. علينا مناقشة الأمر الآن. هدف 2% هو ما اتفقنا عليه”. ولكن المستشارة الألمانية ميركل أوضحت حدود الممكن: “معظمنا يحتاج العودة إلى البرلمانات، وتعهدت بـ2% بحلول 2024 بدلا من عام 2019 الذي يريده ترمب”.

لم يهدأ ترمب، وكشف هدفه موجها حديثه إلى ينس: “إذا استطعت أن تقول للإعلام أن الحلفاء زادوا إنفاقهم بفضلي، يُمكننا أن نتفق”. وبالفعل في المؤتمر الصحفي الذي أعقب الاجتماع، أكد ينس أن دول الناتو زادت إنفاقها الدفاعي بفضل قيادة الرئيس ترمب. وقبيل قمة عام 2019 دار نقاش حول الجدوى من عقدها، لكن خشي قادة الناتو من أن يكشف إلغاؤها الخلافات بين الأعضاء، ويقدم اعترافا بالفشل.

ظل ترمب يبالغ في الأرقام، حتى إنه في حملته الانتخابية عام 2020 تحدث عن زيادة مدفوعات الناتو بقيمة 130 مليار دولار سنويا، قائلا إنها ستصل إلى 400 مليار دولار. ولم يعقب ينس، وقال في مذكراته: “استمر ترمب في استخدام هذا الرقم في حملته الانتخابية. لم أصححه. كانت مهمتي الحفاظ على وحدة الناتو، واعتبرت أن كلفة تصحيح تصريحات رئيس الولايات المتحدة مرتفعة للغاية”.
في أبريل/نيسان 2019، دعي ينس إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس ترمب. وكعادته، فاجأه ترمب بسؤال مباشر: “لماذا نحن في أفغانستان؟”، فأجاب ينس “لمكافحة الإرهاب الدولي”. ولكن ترمب سأل مجددا بلهجة لا تخلو من التحدي والتهكم: “وهل سننشر جنودا في كل بلد يوجد فيه إرهابيون؟”.

حتى شتاء 2020–2021، ظل ينس يعتقد أن تكلفة مغادرة أفغانستان أعلى من تكلفة البقاء فيها، وهو تقييم سبق أن عبر عنه لأوباما، ثم كرره لترمب. واستند هذا التقدير إلى قناعة مفادها أن هذا هو الثمن الذي يجب أن يكون الناتو مستعدا لدفعه حفاظا على مصداقيته. غير أنه بدأ مع مرور الوقت يشك في وجود استعداد حقيقي لدى الناتو لدفع هذا الثمن. فبعد ما يقرب من 20 عاما من الوجود العسكري، تحولت أفغانستان إلى المثال الأوضح لما بات يعرف في واشنطن باسم “الحروب التي لا تنتهي”.

كانت الإحاطات الاستخبارية التي تلقاها ينس من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية محبطة إلى حد بعيد، وأكثر قتامة من التقارير التي قدمها القادة العسكريون في حلف الناتو. فقد أصبح الفرار من الخدمة تحديا متزايدا للجيش الحكومي الأفغاني، وعانت وحداته من ضعف القيادة، واستشرى الفساد في صفوفه. وفي المقابل، كان ترمب حاسما في رغبته بإنهاء الوجود الأمريكي في أفغانستان، وقال لينس: “علينا أن ننهي هذه الحرب، مضيفا أنه يفضل إعادة بناء الولايات المتحدة بدلا من إعادة بناء أفغانستان”.

في عام 2020، تفاوضت إدارة ترمب على اتفاقية الدوحة مع حركة طالبان. وصحيح أن ينس تلقى إحاطات منتظمة من وزير الخارجية الأمريكي بومبيو وكبير المفاوضين زلماي خليل زاد، لكن الناتو لم يطلع على النصوص قيد التفاوض. وحين دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ، تبين أنها لا تلزم القوات الأمريكية وحدها بمغادرة أفغانستان، بل تلزم أيضا جميع دول الناتو الأخرى. وبذلك، تفاوضت واشنطن عمليا على كامل الوجود العسكري للناتو في أفغانستان، دون إشراك دول الحلف نفسها في المفاوضات.

بعد إبرام الاتفاق، وفي مايو/أيار 2020، استضاف ينس اجتماعا خاصا حول أفغانستان في مقر إقامته ببروكسل. جلس حول الطاولة قائد قوات الناتو والقوات الأمريكية في أفغانستان الجنرال سكوت ميلر، والقائد الأعلى للقوات الأمريكية في أوروبا تود وولترز، وسفيرة الولايات المتحدة لدى الناتو. أبلغ المجتمعون بأن صبر الرئيس ترمب قد نفد، وأنه يريد انسحابا كاملا من أفغانستان مهما كانت الكلفة، وفي أسرع وقت ممكن.

“تفاوضت واشنطن عمليا على كامل الوجود العسكري للناتو في أفغانستان، دون إشراك دول الحلف نفسها في المفاوضات”

طرح ينس سؤالا حول الشروط التي يفترض أن تلتزم بها طالبان، مثل وقف الهجمات على الحكومة الأفغانية، والدخول في مفاوضات، وقطع العلاقات مع تنظيم القاعدة. فجاءه الرد مختصرا وصادما: “لا، هذه (الشروط) لم تعد سارية”. كان ذلك تغييرا جذريا في فرضية الانسحاب، ورغم أن النبرة السائدة داخل الناتو كانت لا تزال تميل إلى البقاء، فإن واشنطن مضت قدما.

عندما تحدث ستولتنبرغ مع رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي بخصوص أفغانستان، بدا الأخير مستسلما للواقع، وقال ببرود: “ربما علينا أن نسميها كما هي.. هزيمة”. أما المستشارة الألمانية ميركل فعبرت عن خيبة أملها قائلة: “لا يعجبني ما يحدث. الوحيدان السعيدان اليوم بانسحابنا هما رئيسا روسيا والصين”.

بعد اجتماع وزراء الناتو في 14 أبريل/نيسان 2021، حرص ينس على التحدث مباشرة مع الرئيس الأفغاني أشرف غني، وأبلغه بأن الانسحاب يعني بداية فصل جديد من العلاقة بين الجانبين، مؤكدا استمرار دعم قوات الأمن الأفغانية وتدريبها والوقوف إلى جانب كابول في مفاوضات السلام مع طالبان. غير أن رد مستشار الرئيس الأفغاني، أمر الله صالح، جاء قاسيا: “لقد تركنا وحدنا.. لقد هزم الجهاديون حلف الناتو”.

“وصفت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي الانسحاب من أفغانستان بأنه أسوأ إهانة لحلف الناتو والغرب منذ عقود”

أشارت معظم التقييمات الاستخبارية التي اطلع عليها ينس إلى أن طالبان ستنتصر في نهاية المطاف. ومع ذلك، وحتى أواخر مايو/أيار 2021، ذهبت أكثر التقديرات تشاؤما إلى أن حكومة كابول ستصمد حتى نهاية العام على الأقل. لكن المؤشرات تغيرت سريعا، وبدا أن الانهيار قد يحدث في غضون أيام، كما حدث بالفعل في أغسطس/آب من العام نفسه. ووصفت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي الانسحاب من أفغانستان بأنه أسوأ إهانة لحلف الناتو والغرب منذ عقود.

في نهاية التجربة الأفغانية، رأى ينس أن الحلف وقع ضحية رواية مفرطة في التفاؤل، أوحت بأن الأوضاع في أفغانستان تتحسن باستمرار. فقد دفعت دول الناتو ثمنا باهظا من الأرواح والأموال، بينما جرى التغاضي عن المشكلات وعلامات الضعف التي كان ينبغي أن تكشف مبكرا أن طالبان أقوى من قوات الحكومة الأفغانية. وانتهى ينس إلى أن أي عمليات عسكرية مستقبلية خارج حدود الناتو يجب أن تحدد أهدافها بدقة، والأهم من ذلك أن يكون الحلف واقعيا بشأن ما يمكن تحقيقه.

أوكرانيا والدعم المحسوب
أُنشئ “مجلس الناتو – روسيا” عام 2002 بهدف إقامة هيكل دائم للتعاون والحوار بين الحلف وروسيا. غير أن هذا المسار تعرض لانتكاسة مبكرة عام 2008، مع الحرب الروسية في جورجيا، التي أوقفت عمليا الجهود الرامية إلى بناء تعاون أوثق. ومع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم ودخول قواتها إلى إقليم دونباس عام 2014، قرر وزراء خارجية الناتو تعليق التعاون المدني والعسكري مع موسكو.

حرص ستولتنبرغ على استئناف اجتماعات المجلس انطلاقا من قناعته بضرورة الإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة، لكنه واجه مقاومة واضحة داخل الحلف. فقد عارض الأمريكيون الفكرة، مفضلين أن يظل أي حوار مع روسيا ثنائيا، وشاركهم البريطانيون الموقف ذاته. أما دول شرق أوروبا فاعتبروا أن الدخول في أي حوار مع موسكو علامة ضعف، بل وقد يفهم ضمنا بوصفه قبولا بالأفعال الروسية. في المقابل، أيدت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وجهة نظر ينس، ما عكس انقساما عميقا داخل الناتو حول التعامل مع روسيا.

“يتطلب انضمام أي دولة جديدة للناتو استيفاء 3 شروط: أن تكون دولة أوروبية، وأن تكون ديمقراطية، وأن تكون قادرة على المساهمة في أمن منطقة شمال الأطلسي”

في هذا السياق، برزت مسألة توسع الحلف شرقا. فوفقا لمعاهدة الناتو، يتطلب انضمام أي دولة جديدة استيفاء 3 شروط: أن تكون دولة أوروبية، وأن تكون ديمقراطية، وأن تكون قادرة على المساهمة في أمن منطقة شمال الأطلسي. وكان ينس يرى أن “المعيار الثالث هو الإشكالية الأساسية”. فبينما اعتقدت بعض الدول الأعضاء أن الإسراع بضم أوكرانيا سيعزز الأمن المشترك قبل أن تتمكن روسيا من الاستيلاء على مزيد من الأراضي، رأى آخرون أن منح كييف العضوية سيستفز موسكو، ويزيد من مخاطر الأزمات والصراعات في أوروبا.

في مؤتمر عقد في النمسا عام 2015، كان ينس قد التقى وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأمريكي الراحل هنري كيسنجر، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 92 عاما، ووجه رسالة واضحة للأمين العام الجديد للحلف. قال كيسنجر بصوت منخفض “إن على الغرب أن يفهم أن أوكرانيا ليست بالنسبة لروسيا مجرد دولة أجنبية، فتاريخ روسيا يبدأ في كييف، وإن بعض أهم المعارك من أجل حرية روسيا جرت على الأراضي الأوكرانية”.

كان كيسنجر معارضا لانضمام أوكرانيا إلى الناتو، ومتشككا عموما في توسع الحلف شرقا منذ نهاية الحرب الباردة. وحذر كيسنجر ينس من أن شيطنة الغرب لبوتين ليست من السياسة، بل ذريعة لعدم وجود سياسة، داعيا إلى عدم عزل روسيا، ومشيرا إلى أنها دولة ضعيفة مقارنة بحلف الناتو. وبحسب كيسنجر، فإن السياسة الخارجية هي فن تحديد الأولويات، وكانت أوكرانيا، في تقديره، أكثر أهمية لروسيا مما هي للغرب.

“كان هنري كيسنجر معارضا لانضمام أوكرانيا إلى الناتو، ومتشككا عموما في توسع الحلف شرقا منذ نهاية الحرب الباردة”

في زيارة ينس لأوكرانيا عام 2019، شارك في ندوة مع طلاب بالجامعة انتهت بنقاش ساخن حول انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو. وقد واجهه أحد الشباب بسؤال: “نحن نناضل من أجل القيم نفسها التي تنادون بها. لماذا لا ننضم إلى الناتو إذن؟” فهم ينس مزيج الغضب واليأس في السؤال، لكنه أجاب بالإشارة إلى أن أوكرانيا لم تستوفِ بعدُ عددا من معايير الناتو، لا سيما ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد وضمان السيطرة الديمقراطية على المؤسسات الأمنية. ولكن خلال تلك الزيارة، اتضح له أكثر من أي وقت مضى أن الأوكرانيين يطلبون من الناتو أكثر مما هو قادر على تقديمه لهم.

في ديسمبر/كانون الأول 2021، انعقد مجلس الناتو على وقع مقترحات تقدم بها الرئيس الروسي بوتين إلى الولايات المتحدة والحلف، تضمنت 3 مطالب رئيسية: وقف توسع الناتو ومنع انضمام دول جديدة، وسحب قوات ومعدات الحلف من الدول التي انضمت بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وعدم نشر أسلحة هجومية جديدة قرب الحدود الروسية. لم يتعلق الأمر بأوكرانيا وحدها، بل بمحاولة إعادة صياغة النظام الأمني الأوروبي برمته، وصيغت المطالب بصيغة إنذار نهائي.

رأى ينس أن هذه المطالب تتعارض مع مبدأ أساسي طالما أقرته روسيا نفسها، وهو حق كل دولة في اختيار ترتيباتها الأمنية. كما أن سحب قوات الناتو من دول الشرق سيجعل الحلف عاجزا عن الدفاع عن أعضائه الجدد، ما يعني عمليا القبول بنظام عضوية من درجتين داخل الناتو، دول يحميها الحلف وأخرى لا يحميها، وهو أمر غير مقبول.

“خلص ينس إلى أن الناتو سيكون عونا للأوكرانيين، لكنه غير مستعد للتضحية من أجلهم”

حين اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، دخل ينس في حوارات مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي، الذي طالب بإغلاق المجال الجوي فوق أوكرانيا. وقد أوضح له ينس أن الحلفاء لا يرغبون في أن يصبحوا طرفا مباشرا في النزاع لا بقوات برية ولا بطائرات في الجو، وأن فرض حظر جوي يعني مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا. فرد زيلينسكي “اعتقدت أن روسيا هي التي من المفترض أن تخاف من حلف الناتو، وليس حلف الناتو هو الذي يخاف من روسيا”.

ورغم تفهمه لحجج زيلينسكي حول الدفاع عن النفس، بقيت معضلة تجنب التصعيد حاضرة بقوة في حسابات الناتو. وقد خلص ينس إلى أن الناتو سيكون عونا للأوكرانيين، لكنه غير مستعد للتضحية من أجلهم. وقد لخص الرئيس الأمريكي جو بايدن هذا الموقف بقوله: “سندعم أوكرانيا، لكننا لن نجازف باندلاع حرب عالمية ثالثة”.

في بداية الحرب، لم يكن بوتين وحده من اعتقد أن الصراع سيكون قصيرا؛ فقد ساد داخل الناتو أيضا تصور بأن كييف ستسقط في غضون أيام، أو أن القوات الروسية ستسيطر سريعا على كامل إقليم دونباس والمناطق الواقعة شرق نهر دنيبر على أقل تقدير. لكن الحرب تحولت سريعا إلى حرب استنزاف، ورغم الدعم العسكري من الناتو لأوكرانيا، كانت الإمدادات غير كافية لحسم المعركة. وطلب زيلينسكي المزيد من الأسلحة قائلا “دعونا نستحوذ على واحد بالمئة من طائراتكم، وواحد بالمئة من دباباتكم، وواحد بالمئة من مدفعيتكم. واحد بالمئة من كل ذلك، وسننتصر”.

صرحت عدة دول بالناتو بأنها لا تستطيع تقديم المزيد لأوكرانيا دون انتهاك إرشادات الحلف بشأن كمية الذخيرة التي يجب على كل دولة الاحتفاظ بها في الاحتياطي. لكن ينس أوضح لوزراء دفاع الناتو أن عليهم، إن اضطروا للاختيار بين الالتزام بحدود مخزونات الحلف ودعم أوكرانيا، أن يختاروا أوكرانيا، في سابقة نادرة.

غير أن الدعم ظل قاصرا. فقد أخفق الاتحاد الأوروبي في الوفاء بتعهده بتزويد كييف بمليون قذيفة مدفعية بين عامي 2023-2024، فلم يسلم سوى أقل من نصفها، كما عانى الأوكرانيون من فجوة بين السلاح والقدرة التشغيلية بسبب نقص الذخيرة وقطع الغيار، وكانت المشكلة الأكثر شيوعا هي حصولهم على معدات تفتقر إلى العديد من الأجزاء اللازمة لاستخدامها على مر الزمن. وهكذا، قدم الناتو لأوكرانيا ما يكفي لتجنب الهزيمة السريعة، لكنه لم يقدم ما يكفي لكسب الحرب.

“قدم الناتو لأوكرانيا ما يكفي لتجنب الهزيمة السريعة، لكنه لم يقدم ما يكفي لكسب الحرب”

ومع تحول الحرب في أوكرانيا إلى حرب استنزاف، أصبحت تحدد مآلاتها وفق قدرة أطراف الصراع على حشد الموارد البشرية والاقتصادية وتحمل الخسائر على المدى الطويل. وفي هذا الإطار، كان واضحا أن ميزان الاستنزاف لا يميل تلقائيا لصالح أوكرانيا. فعلى خلاف الصورة النمطية للجيوش الحديثة، حيث يكون معظم الجنود في أوائل العشرينيات من أعمارهم، أظهر الواقع الأوكراني أن متوسط أعمار الجنود على الجبهة تجاوز الأربعين عاما، وهو مؤشر على عمق الأزمة الديموغرافية والاستنزاف البشري الذي تواجهه كييف.

في المقابل، تمتلك روسيا مزايا في هذا النوع من الحروب. فعدد سكانها يزيد بنحو 4 مرات عن عدد سكان أوكرانيا، ويقدر ناتجها المحلي الإجمالي بما يقارب عشرة أمثال نظيره الأوكراني. كما أنها قادرة، بحكم هذه الفجوة، على تحمل خسائر أكبر ولفترة أطول.

وقد راهنت عدد من العواصم الأوروبية على أن استمرار الحرب واستنزاف روسيا سيفضي إلى تحول داخلي أو تغيير في النظام السياسي الروسي. واستند هذا الرهان إلى أمثلة تاريخية. فقد مهدت هزيمة روسيا في حرب القرم عام 1856 لإلغاء العبودية؛ وأجبرت الهزيمة أمام اليابان عام 1905 القيصر على القبول بالإصلاحات الدستورية؛ وفجرت خسائر الحرب العالمية الأولى الثورة البلشفية عام 1917؛ كما ساهم الانسحاب السوفياتي من أفغانستان عام 1989 في تفكك الاتحاد السوفياتي لاحقا.

غير أن هذا الرهان لم يتحقق في الحالة الأوكرانية، فرغم الكلفة العسكرية والاقتصادية والبشرية الباهظة التي تكبدتها موسكو، بدا أن السلطة الروسية استطاعت امتصاص الصدمة، وإعادة تعبئة المجتمع، وتحويل الحرب إلى أداة لتعزيز التماسك الداخلي.

استمرارية للضرورة
كان من المقرر أن تمتد ولاية ينس أمينا عاما للناتو من عام 2014 إلى 2018. لكن في أواخر خريف 2017 مددت لعامين إضافيين حتى 2020 أملا في أجواء هادئة بين الدول الأعضاء في ظل صخب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ووجود ترمب في البيت الأبيض. ورغم اختلاف العهود، ظل العامل الأمريكي هو الأكثر حساسية في حسابات الناتو.

ففي عام 2020 وصل الرئيس بايدن إلى البيت الأبيض، ولاحظ ينس في لقاءاته كيف كان بايدن يكافح للحفاظ على تسلسل حديثه. ومن ثم صارت اللقاءات الصحفية المشتركة معه قصيرة قدر الإمكان، واعتمد بايدن على الملاحظات المكتوبة حتى في التصريحات الموجزة، على النقيض من ترمب الذي كان يتحدث ساعة كاملة بشكل مرتجل. وفي قمة الناتو عام 2024 بواشنطن قدم بايدن الرئيس الأوكراني زيلينسكي على أنه الرئيس بوتين، وبدا أنه فقد تركيزه بالكامل.

“لاحظ ينس في لقاءاته كيف كان الرئيس الأمريكي بايدن يكافح للحفاظ على تسلسل حديثه”

كان من المقرر أن تنتهي ولاية ينس مجددا في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2022. لكن الحرب في أوكرانيا غيرت الترتيب. فبعد اندلاعها، مددت ولايته مرة أخرى لمدة عام لتجنب حالة عدم اليقين التي قد ترافق عملية اختيار أمين عام جديد للناتو في لحظة حرب أوروبية. وفي 22 فبراير/شباط 2023 خلال اجتماع في وارسو، طلب بايدن من ينس خمس دقائق للحديث على انفراد، وطلب منه البقاء مجددا لسنة إضافية، لكن عددا من أعضاء الإدارة الأمريكية تحدثوا بعدها مع ينس، وزعموا أن أسلوب الرئيس في الإطراء قد يسبب التباسا، وأن ما قاله عن تمديد ولايته ليس طلبا رسميا من واشنطن، وإنما طريقته في التعبير عن الرضا حين يريد أن يمدح شخصا فيقول له “ابقَ”.

في 13 يونيو/حزيران 2023، وصل ينس إلى البيت الأبيض لاجتماع مع بايدن الذي كرر الحديث نفسه قائلا: “الاستمرارية مهمة، لذا أطلب منك مجددا البقاء”، شكره ينس وقال إنه يوجد مرشحون جيدون. لكن بايدن قاطعه بحدة، ثم سرعان ما اتضح أن ألمانيا وبريطانيا وفرنسا تدعم أيضا تمديدا آخر. ومن ثم بقي ينس في منصبه حتى 1 أكتوبر/تشرين الأول 2024.

توضح تلك التفاصيل أن الموافقة الأمريكية والألمانية على شخص أمين عام حلف الناتو تحظى بأهمية، وأن الناتو بدون الولايات المتحدة يصبح كالخيمة التي فقدت عمودها، ولذا يعد احتواء الرئيس الأمريكي وظيفة أساسية لأمين عام الحلف.

“يعد احتواء الرئيس الأمريكي وظيفة أساسية لأمين عام الناتو”

في الختام، تكشف تجربتا أفغانستان وأوكرانيا، كما يعرضهما أمين عام حلف الناتو السابق، عن مأزق أعمق من مجرد إخفاقات تكتيكية أو قرارات سياسية خاطئة، فهناك أزمة في طريقة تفكير الغرب في قوته وقدرته على تشكيل البيئات الإستراتيجية خارج حدوده. ففي أفغانستان، راهن الحلف على أن الوقت، وبناء مؤسسات جديدة مفروضة من الخارج، والدعم العسكري، كفيل بإنتاج دولة مستقرة متحالفة مع الغرب. ولكن الزمن كشف محدودية القدرة على إعادة هندسة المجتمعات من الخارج، وعمق الفجوة بين الأهداف المعلنة والاستعداد الحقيقي لدفع كلفتها.

في أوكرانيا، تكرر نمط مختلف من الرهان. فقد افترضت عواصم غربية أن استنزاف روسيا، عسكريا واقتصاديا، سيقود كما حدث في محطات تاريخية سابقة إلى إخضاع الإرادة الروسية أو إحداث تصدع داخلي أو تغيير في سلوك النظام. غير أن هذا الرهان أخفق هو الآخر، بينما وجد الغرب نفسه عالقا في معادلة الدعم غير الحاسم مقابل تجنب الانخراط مباشرة في الحرب. ويخلص ستولتنبرغ ضمنيا إلى أن الحلف قادر على الردع وعلى الدفاع عن أعضائه، لكنه أقل قدرة على إعادة تشكيل البيئات المعقدة، أو على خوض حروب طويلة دون توافق سياسي داخلي عميق واستعداد مجتمعي لتحمل التكاليف.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات