سودان تمورو:
تعد الفاشر العاصمة التاريخية لإقليم دارفور، إحدى أهم المدن السودانية ذات التاريخ العريق والثقافة الغنية كما أنها مركز هام للشؤون السياسية والاقتصادية.
وبعد اندلاع الحرب السودانية الأخيرة، منتصف نيسان/أبريل من العام قبل الماضي، وانتقالها من العاصمة السودانية الخرطوم، إلى إقليم دارفور غرب البلاد ومناطق أخرى، شكل صمود أهالي الفاشر، أمام محاولات الدعم السريع السيطرة على المدينة الهاما غير مسبوق للسودانيين في جميع أنحاء البلاد.
وتحاصر قوات الدعم السريع المدينة منذ آيار/مايو من العام الماضي، حيث تحاول السيطرة عليها والاستحواذ على إقليم دارفور الغني. إلا أن المدينة استطاعت صد أكثر من 180 هجوما من ذات القوات خلال الأشهر السبعة الماضية، لتصبح قلوب كل السودانيين معلقة بالمدينة الصامدة.
وكان حاكم إقليم دارفور مني اركو مناوي قد حذر من عمليات تجنيد واسعة قال إن قوات الدعم السريع تقوم بها لحشد مرتزقة من غرب أفريقيا، لكنه جزم في ذات الوقت أنهم لن يستطيعوا، اختراق الفاشر.
واتهم قادة الدعم السريع بإغراء المرتزقة بنهب واستباحة مدينة الفاشر، حيث دعا إلى استنفار عام في المدينة من أجل «الدفاع عن الأرواح والممتلكات».
وتعد الفاشر آخر معاقل الجيش في دارفور بعد سيطرة قوات الدعم السريع على أربع من أصل خمس ولايات في الإقليم. تحتشد في المدينة عدد من الحركات الدارفورية الموالية للجيش – القوة المشتركة للحركات المسلحة- التي تعتبر الدعم السريع خصما تاريخيا.
مرت المدينة بالكثير من التطورات التي أثرت على بنيتها التحتية، سكانها، وتاريخها الاجتماعي والسياسي، وتواجه اليوم العديد من التحديات بسبب النزاعات التي شهدتها البلاد وإقليم دارفور، خاصة خلال العقدين الماضيين، وهو ما أثر بشكل كبير على المدينة في جوانب متعددة.
تقع الفاشر في غرب السودان، وتعتبر من أهم مدن دارفور الكبرى. تحيط بها سهول وغابات طبيعية، ما ساهم في جعلها نقطة جذب لعدد من المجموعات السكانية التي تنوعت ثقافيًا وعرقيًا على مر العصور. وتعتبر بوابة للطرق التجارية بين السودان وبعض الدول المجاورة مثل تشاد وليبيا.
فاشر السلطان
هناك روايات متعددة حول معنى اسم الفاشر أبرزها أنها تعني «مجلس السلطان» إذ تسمى «فاشر السلطان» و«فاشر زكريا» نسبة لمجلس السلطان زكريا والد السلطان علي دينار والذي ساهم على نحو كبير في نهضتها. وقد تعني مكان إقامة السلطان أو قلعته وجمعها «فواشر» حسب لهجة المنطقة أي مقار وقصور السلطان.
وفي رواية أخرى تنسب المدينة إلى اسم الوادي الذي تقوم على ضفتيه حيث قد تعني الفاخر.
والبعض ينسب الإسم إلى ثور كان يرد الوادي لشرب الماء من دون أن يقوده صاحبه، وكان اسم الثور الفاشر. وقيل أنه ذات يوم تغيب عن الوادي فذهب الناس للبحث عنه، ليجدوه جالسا في المنطقة التي أصبحت الفاشر لاحقا. وتتفرع عنها رواية أخرى كانت تقول إن الثور كان يحمي المنطقة التي نشأت فيها المدينة التي حملت اسمه لاحقا.
سلطنة دارفور
تاريخ المدينة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ سلطنة دارفور التي حكمت المنطقة. كانت الفاشر، في عهد السلطنة، مركزًا اقتصاديًا مهمًا، حيث كانت تُعتبر العاصمة السياسية والإدارية للسلطنة.
حكم سلاطين الفور الفاشر لفترة قاربت الخمسة قرون، بدأت في عام 1445 واستمرت حتى 1916، وكان سليمان سولونق أول سلاطينهم، بينما اختتم حكمهم السلطان علي دينار. في البداية، كان السلاطين يديرون سلطنتهم من منطقة جبل مرة، إلا أن السلطان عبد الرحمن الرشيد، الذي خلف السلطان تيراب، أدرك صعوبة إدارة سلطنة واسعة الأطراف من تلك المنطقة، فقرر أن تكون العاصمة أكثر مركزية، وهو ما دفعه لاختيار منطقة وادي رهد تندلتي، الواقعة في السهول الشرقية من دارفور، لتكون موقعاً لبناء عاصمته.
تميزت هذه المنطقة بخصوبة الأرض، ما جعلها مناسبة للزراعة وتربية الماشية. بدأ السلطان الرشيد في بناء قصره الأول على الضفة الشمالية للوادي، ثم تلتها إقامة منازل الحاشية والحرس. سرعان ما بدأ الناس في التوافد إلى فاشر السلطان، ما أسهم في تحول المنطقة إلى مدينة مكتظة بالسكان. وبهذا، أصبحت الفاشر عاصمة إدارية للسلطنة، وظلت تحتفظ بهذا الدور حتى يومنا هذا.
مقاومة الحكم التركي
في العام 1821 غزا محمد علي باشا السودان حيث سيطر على نطاق واسع من البلاد في حملة اتسمت بالدموية، حيث واجهت تقدمه مقاومة شعبية واسعة، ثم اتجهت جيوشه غرباً إلا أنها لم تستطع التقدم نحو حدود سلطنة دارفور لأكثر من 54 عاما، حتى سيطر عليها، قائد سوداني موال للحكم التركي يدعى الزبير باشا رحمة في السنوات التسع الأخيرة من عمر الحكم التركي.
وعرقل الحكام الأتراك طريق القوافل المتجهة من سلطنة دارفور إلى مصر، فدخلت جيوش السلطنة بقيادة السلطان إبراهيم قرض في معارك عنيفة مع قوات الزبير باشا، الذي تمكن من كسب معركة «منواشي»، وسمح للجيش التركي القادم من الخرطوم بدخول الفاشر من جهة الشرق.
رغم سقوط الفاشر لم تستقر سلطنة دارفور للأتراك، حيث ظل أهلها متمردين على الحكام الذين شهدت فترة حكمهم لدارفور اضطرابات واسعة، لينهار الحكم التركي بعد 9 سنوات من سقوط الفاشر في العام 1884على يد قادة الدولة المهدية الذين طردوا الاستعمار وأسسوا دولتهم.
وفي العام 1890 احتلت بريطانيا السودان، إلا أن السلطان علي دينار استطاع استعادة الفاشر في العام 1909 واستمر حكمه حتى العام 1916.
لاحقا تأسس مؤتمر الخريجين في أمدرمان في العام 1936، وبعدها في ولايات أخرى، أبرزها الفاشر، وذلك في العام 1939.
لعب مؤتمر الخريجين في الفاشر دورا بارزا في قيادة الحراك الشعبي ضد الحكم الإنكليزي، بالتنسيق مع مؤتمر الخريجين في مدينة أمدرمان ومدن البلاد الأخرى. وكان نادي الفاشر مركزا هاما للحراك والندوات السياسية الرافضة لحكم الإنكليز السودان.
كسوة الكعبة
خلال فترة حكمه، كان سلطان الفاشر إبراهيم قرض حريصا على إرسال «المحمل» وكسوة الكعبة. واشتهر بإرسال هدايا للقائمين على الحرمين المكي والنبوي.
واشتهر السّلطان علي دينار – آخر حكام سلطنة دارفور- بعمل الأوقاف في الحجاز وخدمة الحجاج، من أبرز تلك الأوقاف «آبار علي» على مشارف المدينة المنوّرة. وعرف عن الميرم زمزم اخت السلطان بناء المساجد، وتعني ميرم سيدة الدولة.
ميارم السلطنة
في عهد سلطنة دارفور العريقة، عرفت «الميارم» ومفردها «ميرم» وهن سيدات الدولة.
وكانت نساء الدولة في الفاشر، ذوات تأثير اجتماعي وسياسي كبير. عرفن بالقوة والنفوذ الواسع والمعرفة العميقة بالسياسة وعادات وتقاليد المنطقة، فضلا عن إكرامهن الضيوف وبذلهن الطعام، ومن أشهرهن الميرم زمزم والميرم تاجة.
خلاوي تحفيظ القرآن
اشتهرت الفاشر وعموم دارفور بمراكز لحفظ القرآن عرفت بـ«الخلاوي» حيث يتجمع طلاب العلم وهم يحملون الألواح وبوص الكتابة حول «التقابة» وهي نار توقد من الحطب في الخلاوي مساءً لتعين الطلاب على حفظ القرآن.
وانتشرت الخلاوي هناك لتمثل أقدم نظام تعليمي. وتأسست لاحقا أول مدرسة أولية في الفاشر في العام 1916، سميت المدرسة المزدوجة الأولية ثم المدرسة الأهلية الوسطى الأميرية ومدرستي دارفور والفاشر الثانويتين وتزايدت المدارس والجامعات تصاعدا مع ارتفاع الكثافة السكانية.
معالم بارزة
شهدت الفاشر تطوراً عمرانياً كبيراً في عهد السلطان علي دينار الذي اهتم بالعمارة فيها فبنى قصره ومجمع سكنه الذي كان يضم غرف السكنى والمجالس والردهات والمسجد الجامع فشكل معلماً معمارياً بارزاً في المنطقة خلال تلك الحقبة. وهو الآن متحف يتبع للهيئة القومية للآثار والمتاحف.
ومن أبرز معالم المدينة، قصر السلطان علي دينار الذي طالته عمليات القصف المدفعي للدعم السريع نهاية العام الماضي، والذي ألحق دمارا واسعا بالمعلم التاريخي البارز والذي يضم متحفا يعد الثاني على مستوى البلاد بعد المتحف القومي في العاصمة الخرطوم.
ومن المعالم أيضا مجمع السلطان علي دينار الذي يضم مسجدا ومكتبة ومركزاً لتحفيظ القرآن الكريم بالإضافة إلى برج الفاشر والسوق الكبير الذي يضم محلات تجارية عديدة ومركزا للمواصلات.
ومن معالم المدينة آبار حجر التي تشتهر بأن من شرب منها سيعود إلى الفاشر مرة أخرى. وكذلك سوق المواشي وفيه تباع اللحوم الطازجة أو المشوية، وسوق الفواكه القادمة من منطقة جبل مرة.
مركز اقتصادي بارز
امتدت سلطنة دارفور على مساحة شاسعة من أراضي غرب السودان. وكانت الفاشر عاصمتها مركزًا للتجارة الإقليمية، إذ كانت السلع تأتي من جميع أنحاء أفريقيا لتتبادل مع السلع الأخرى من مختلف مناطق السودان. وكانت تتميز بالعديد من الأسواق التي تقدم بضائع متنوعة تعكس تنوع المنطقة.
تتميز الفاشر، بموقع جغرافي هام حيث تقع في ملتقى طرق ثلاث دول مجاورة للسودان؛ تشاد عبر معبر الطينة، وليبيا من خلال جبل عوينات، بالإضافة إلى مصر عبر الطريق التاريخي المعروف بدرب الأربعين.
ومثلت المدينة في عصر سلطنة دارفور، نقطة انطلاق للقوافل التجارية التي تمر عبر درب الأربعين؛ سمي كذلك لأن عبوره يستغرق أربعين يوماً، حيث كان يربط السودان بجارته الشمالية مصر وكان التجار يصدرون العاج وريش النعام وأخشاب الأبنوس من غابات وسط أفريقيا إلى الأسواق المصرية، ومن ثم يعودون ببضائع من هناك مثل الحرير والأقمشة.
لعبت الفاشر دورا محوريا في الاقتصاد السوداني التقليدي. فهي تمثل سوقًا رئيسيًا للمنتجات الزراعية مثل الحبوب، بالإضافة إلى المنتجات الحيوانية، حيث اشتهرت بتجارة الجلود، والصناعات الحرفية. لكن التحديات السياسية والاقتصادية التي شهدتها، خاصةً بعد اندلاع الحرب، أدت إلى تدهور الوضع الاقتصادي، حيث تضررت العديد من المشاريع الزراعية والصناعات الصغيرة التي كانت تشكل أساس الاقتصاد المحلي.
المدينة تعرضت لتدمير جزئي في العديد من البنى التحتية، بما في ذلك المدارس والمرافق الصحية والمياه. كما تسببت الأوضاع الأمنية المتدهورة في الفاشر في جعل الوصول إليها صعبا من قبل العاملين في المجال الإنساني.
مزيج ثقافي وتنوع سكاني
تتميز الفاشر بتاريخ ثقافي عميق. حيث جمعت عدة قبائل سودانية تنحدر من مناطق مختلفة، شكلت مزيجًا ثقافيًا غنيًا. هذا التنوع يعكس تاريخ المدينة كمركز ثقافي واجتماعي وتجاري هام.
وفي السياق، قال المؤرخ جبريل عبد الله، في كتابه «تاريخ مدينة الفاشر»: «نكاد نجزم بأنه لا توجد قبيلة في السودان ليس لها امتداد أو تمثيل مقيم في مدينة الفاشر ومنذ عهد قديم» حيث وصف تاريخها الاجتماعي بالتمازج والتداخل.
وفي الفاشر تصاهرت القبائل القادمة من جميع أنحاء السودان واختلطت وذابت في بعضها البعض، واكتسبوا عادات وتقاليد وثقافة المجتمعات السودانية المختلفة. وأدى ذلك إلى خلق مجتمع متكامل متقبل للآخر القادم ربما للتجارة أو غيرها من العابرين أو المستقرين في المدينة.
الفنون الشعبية
اشتهرت الفاشر كذلك بالفنون الشعبية، حيث الرقصات التقليدية والموسيقى المحلية تعتبر جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، أيضًا الأطعمة المحلية، الغنية بالحبوب والبقوليات، تعكس التأثيرات المتنوعة على سكان المدينة.
ويوجد بالفاشر عدد من المسارح منها مسرح نادي الفاشر والذي يحمل حاليا اسم المجمع الثقافي، ومسرح القيادة، بالإضافة إلى المسارح المدرسية.
وتنشط فيها العديد من الفرق المسرحية، مثل فرقة فنون دارفور، التي لديها أوركسترا كاملة وتتغنى بالتراث الشعبي وغيرها من الأغاني.
كما عرفت الفاشر بنظم الشعر باللغة المحلية والعربية.
التحديات الأمنية والسياسية
مع بداية القرن الواحد والعشرين، دخل الإقليم دائرة النزاع المسلح، الذي بدأ في عام 2003، والحرب بين نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير والحركات المسلحة في دارفور، التي استمرت لنحو 20 عاما، أدت إلى تهجير ملايين الأشخاص وتدمير البنية التحتية في العديد من مناطق دارفور. الفاشر لم تكن بمنأى عن هذه التحديات، حيث أصبح النزاع المسلح والاشتباكات جزءًا من حياتها اليومية، على الرغم من إحكام نظام البشير السيطرة على المدينة الهامة وربطها بشبكة طرق مع أنحاء البلاد المختلفة.
ورغم التحديات الأمنية، شهدت الفاشر تطورات في البنية التحتية في السنوات الأخيرة، حيث تم بناء العديد من المشاريع التنموية التي تهدف إلى تحسين ظروف الحياة في المدينة، وتحسين شبكة الطرق، وتجديد بعض المنشآت التعليمية والصحية.
تظل الفاشر مدينة ذات طابع خاص، وتاريخ طويل يتخلله الكثير من المعاناة والصمود. ورغم التحديات الكبيرة التي تواجهها، إلا أنها ما زالت تمتلك امكانيات هائلة للتعافي والنمو. كما أنها تمثل نموذجًا من الأمل في المستقبل، حيث يعكس الصمود والتكاتف المجتمعي قدرة كبيرة على تجاوز الصعوبات وبناء مجتمع أفضل للأجيال القادمة.
القدس العربي
