سودان تمورو:
يبدو أن بورصة الكوارث السودانية تلقى رواجاً واسعاً، وأن أسهمها في ازدياد مستمر من قبل المضاربين المحليين والإقليميين والدوليين. والشيء المدهش هو تمدد الأزمة على كافة المستويات وبسرعة مذهلة على الصعيد الإنساني والحياتي والسياسي. ولكن يظل المحور الوجودي للدولة بتوصيفها القانوني (أرض، شعب، حكومة) هو المرتكز المفصلي الذي يواجه تهديداً حقيقياً وتحدياً وتعدياً غير مسبوق على مستوى الأزمات المتراكمة والمتنوعة المصاحبة للمشهد السياسي السوداني تاريخياً وحالياً، مع تلازمية الفشل المستمر وبجدارة.
ما يحدث هذه الأيام في نيروبي لا يخرج عن سياق تداعيات الأزمة السودانية المستفحلة.. والتي فاقت حد التصور في جانبها السياسي. ويعتبر هذا الجانب هو أكبر مراكز الضعف وأكثرها هشاشة، حيث اجتمع فيه فشل النخب السياسية في إدارتها للأزمات وإيجاد الحلول والمخارج. وهذا هو القديم الجديد في قاموس السياسة السودانية المتكلسة منذ الاستقلال. وهذا التلازم مع الأطماع الخارجية بأجندتها المعلنة والخفية جعلها فاعلاً أساسياً في تحريك بوصلة الوجهة السياسية في اتجاه مصالحها. فأصبح الاستقطاب بين الأطراف المعنية بالأزمة على مستوى الداخل والخارج قاسمه المشترك هو مصالحهم.. وبعنوان زائف وفارغ ومفردات وطنية جوفاء مستهلكة من أجل تمرير أجندتهم.
ولكن يبدو أن مستوى وعي الشارع وحسه الوطني المتقدم.. رغم مرارة الواقع الأليم، هو حجر الزاوية في مقاومة تقسيم ما تبقى من الوطن المقسم أصلاً. رغم أن خارطته مرسومة على الوجدان السوداني بامتداد خطوط طولها وعرضها.. وبعمق تضاريسها السهلة المنبسطة والوعرة المعقدة، والتي أحسب أنها ألقت بظلالها على النفسية السودانية المعقدة أحياناً والمنبسطة أحياناً أخرى.
وعلى صعيد متصل..
يُحسب للقوى الوطنية المدنية أنها اتخذت موقفاً مشرفاً في منعطف تاريخي شديد الأهمية.. ووقفت سداً منيعاً أمام الزحف نحو الهبوط إلى المستنقع الآسن لتفتيت وتقسيم البلاد في وضح النهار.. برعاية كيانات وشخصيات وهمية منتفعة تفتقر إلى الوزن السياسي والاجتماعي.. ونزعت من وجهها الحياء، ومن جبينها نخوة الانتماء والقيمة الوطنية، واختارت فتات موائد المؤتمرات مدفوعة الثمن.. حيث بيع الوطن في مزاد الاسترزاق، وصياح المزايدين يملأ قاعة مؤتمر نيروبي في سباقهم الحميم لمن يُرسى عليه المزاد، والسلعة هي الوطن الحبيب…
هل أنتم في كامل وعيكم الفكري والسياسي عندما اتخذتم هذه الخطوة نحو تقسيم البلاد تحت مسميات وشعارات فيها كل أنواع التدليس والنفاق السياسي؟!!! عن أي دولة مدنية ديمقراطية تتحدثون؟ وأنتم توقعون على وثيقة التحول المدني الديمقراطي المفتري عليها بمداد من دم الأبرياء، بشراكة مع الجنجويد.. المليشيا المارقة التي أذاقت الشعب السوداني أبشع أنواع البطش والتنكيل.. وأراقت الدماء، وشردت الشعب، فأصبح في رحلة نزوح داخلية وخارجية.. وتركوا ديارهم وهربوا نحو الأمان من جبروتها الذي يُندى له الجبين. هذه المليشيا المجرمة هتكت الأعراض، واستباحت الديار، ونهبت الممتلكات، وعاثت في الأرض فساداً. وسيسجل التاريخ هذه الكارثة الإنسانية بمداد أسود على صحيفة سوداء كأسوأ ما تكون كوارث البشر….
وبالمقابل، إعلان حكومة موازية على مناطق سيطرة الدعم السريع أمر يجب الانتباه له. ومما لا شك فيه أنه سيواجه صعوبات حقيقية من حيث الاعتراف به من المجتمع الدولي.. ولكن ستكون حكومة الأمر الواقع، وسيتعامل معها المجتمع الدولي، وخصوصاً الداعمين الدوليين في مجال العون الإنساني. وهنا تكون هذه هي البذرة الأولى لتقسيم البلاد، وستنمو بشكل أو بآخر حتى تنتقل من مربع حكومة الأمر الواقع إلى التقنين وممارسة دور الحكومة المكتملة الأركان بتقادم الزمن. الشيء الخطير هو أن المناطق الخاضعة لمليشيا الدعم السريع بها مدن تمتلك مطارات.. وهنا تكمن الخطورة في امتلاك طائرات مدنية ومقاتلة.. حيث يسهل الإمداد اللوجستي العابر للحدود، وذلك سيؤثر في ميزان القوة والفعل على الأرض.
ومضة:
هي روح مُتعبة بفوضى الجسد، مُنهكة بفكر العقل، ووعي السؤال
