الخميس, مايو 7, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارمن الصين إلى السودان.. خيوط الفوضى في لعبة الكبار

من الصين إلى السودان.. خيوط الفوضى في لعبة الكبار

سودان تمورو:

تشتهر الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عمومًا بسياسة النفس الطويل والقدرة الفائقة على إدارة الصراعات وتحريكها وفق استراتيجيات مرنة تخدم أهدافهم الكبرى. لا يتم التغيير غالبًا بشكل صريح أو مباشر، بل يتم عبر استنزاف الخصوم بوسائل التفكيك البطيء، وزرع الأزمات، ودفع الأطراف إلى حافة الفوضى، حتى إذا حان الوقت حُصدت النتائج بأقل كلفة ممكنة.

من هذه الرؤية الكبرى، يمكن فهم جانب مهم من الصراع العالمي الجاري اليوم، والذي تقف فيه الصين كندٍ اقتصادي صاعد يسعى الغرب لاحتوائه. ولأن الصين تعد واحدة من أكثر دول العالم استيرادًا للمواد الخام وتصديرًا للمنتجات، فإن أمن خطوط الملاحة البحرية يمثل شريانًا حيويًا لاستمرار نهضتها. من هنا بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها العمل على تطويق الصين بحزام من الأزمات والنزاعات الإقليمية.

حصار الملاحة الصينية.. بحر الصين الجنوبي نموذجًا

بحر الصين الجنوبي، الذي تمر عبره قرابة ثلث التجارة البحرية العالمية، أصبح ساحة صراع ساخنة. النزاعات الإقليمية بين الصين من جهة، والفلبين وفيتنام ودول أخرى من جهة ثانية، تفجرت حول الجزر والممرات البحرية الغنية بالنفط والغاز. في المقابل، عمدت واشنطن إلى تعزيز حضورها العسكري عبر “عمليات حرية الملاحة”، ودعم الدول المناوئة لبكين. الصين ردت ببناء جزر اصطناعية وتحويلها إلى قواعد عسكرية محصنة، في محاولة لتثبيت سيادتها بالقوة.

تسعى الولايات المتحدة إلى جعل الملاحة عبر بحر الصين الجنوبي محفوفة بالمخاطر، بحيث تضعف قدرة الصين على تأمين طرقها البحرية دون خوض صراع مكلف.

ميانمار.. خاصرة الصين الرخوة

لإيجاد بدائل استراتيجية، شرعت الصين في مدّ نفوذها نحو ميانمار، فأنشأت موانئ ومشاريع نقل استراتيجية على شواطئها، لتأمين ممر بحري بديل. غير أن واشنطن سارعت إلى تخريب هذه الخطة عبر إذكاء الصراعات الداخلية في ميانمار. انزلقت البلاد إلى حرب أهلية معقدة الأطراف، حيث توزع النفوذ بين المجلس العسكري المدعوم بالسلاح، وحكومة الوحدة الوطنية المعارضة، إلى جانب الجماعات العرقية المسلحة، وتحالفات قبلية واسعة تسيطر على أكثر من نصف المناطق الحدودية.

بهذه الفوضى، ضمنت الولايات المتحدة حرمان الصين من استقرار ميانمار ومن إمكانية الاعتماد عليها كممر استراتيجي، دون الدخول في تفاهمات مع قوى متصارعة يصعب ضبطها.

باكستان.. الضربة الثانية

لم تيأس الصين، فاتجهت غربًا صوب باكستان، عبر الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC)، المشروع الضخم الذي مثل حجر زاوية في مبادرة الحزام والطريق. باستثمارات تفوق 62 مليار دولار، كانت الصين تأمل في تحويل ميناء جوادر إلى بوابة استراتيجية بديلة على بحر العرب.

لكن مجددًا، لم يترك الخصم لها المجال. تحركت أدوات واشنطن في الداخل الباكستاني، وأطاحت بحكومة عمران خان، التي كانت ترتبط بعلاقات وثيقة مع الصين، وزُج برئيس الوزراء في السجن، ما ألقى بظلال كثيفة من الشك على مستقبل الممر الاقتصادي، وأعاد باكستان إلى دائرة الاضطراب السياسي.

السودان.. تفكيك الدول بوصفه استراتيجية استعمارية

هذا النمط في تخريب الدول لا يستهدف بالضرورة مصلحة تلك الدول، بل يخدم أجندات دولية كبرى. كثيرًا ما يتم تزيين مشاريع التقسيم والانفصال بشعارات الرفاهية والاستقرار، فيما الحقيقة أن هذه المشروعات تصب في نهاية المطاف في خانة مخططات مثل “الشرق الأوسط الجديد” أو “الشرق الأوسط الكبير”، الذي يقوم على إعادة تشكيل خريطة المنطقة إلى كيانات صغيرة وضعيفة ومتصارعة.

ما يحدث في السودان من دعوات انفصال وتجزئة يجب أن يُفهم في هذا السياق الواسع.. ليست كل حركة انفصال -تخاطب العقل الباطن لمن لديهم لوثة عنصرية-هي حراكًا وطنيًا بريئًا، بل هي في كثير من الأحيان، نتيجة مباشرة لاستراتيجيات التفكيك الدولي التي تهدف إلى إضعاف الدول العربية والإسلامية وإعادة صياغتها بما يخدم أمن إسرائيل والمصالح الغربية على المدى الطويل.

إن قراءة المشهد الدولي الراهن تكشف عن أن الحروب لم تعد تخاض فقط بالدبابات والطائرات، بل أصبحت تدور في ميدان أعقد بكثير.. حروب الملاحة، والسيطرة على الممرات، وإشعال النزاعات الداخلية. كل ذلك تحت ستار “الديمقراطية” تارة، و”حقوق الإنسان” تارة أخرى، بينما الأهداف الحقيقية أبعد وأدهى.. تحطيم الخصوم قبل أن يبلغوا عتبة القوة.

 

إنه صراع بارد في ظاهره، ساخن في جوهره، طويل النفس، لا يرحم الضعفاء، ولا ينتصر فيه إلا من يفهم القواعد جيدًا ويستعد لها بما يكافئ خطورتها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات