سودان تمورو
في بلدٍ أنهكته الحرب، يصبح كل ضوء شمعةٍ مقاومة، وكل قطرة ماء صمودًا. لكن حتى هذه الرموز البسيطة للحياة، لم تسلم من آلة التدمير الممنهج التي تقودها مليشيا الدعم السريع. في واحدة من أكثر الليالي ظلمةً ليس فقط بالمعنى الحرفي، بل الأخلاقي والوطني، تعطّلت أربع محطات كهرباء حيوية في الخرطوم، لا بسبب عطل فني ولا بفعل الطبيعة، بل بسبب قصف مباشر ممن يُفترض أنهم أبناء هذا الشعب. مدينة كاملة أُسقِطت في العتمة، والفاعل.. سلاح لا يرى في البنية التحتية سوى هدف استراتيجي، وفي حياة الناس سوى أداة ضغط.
زيارة والي الخرطوم إلى مواقع الدمار لم تغيّر شيئًا. الوقوف وسط الرماد ليس حلًا، والتقاط الصور بجوار المحطات المحطمة لا يُعيد النور إلى البيوت ولا يُبرّد صدور المرضى في غرف الإنعاش بل وجب عليه ايجاد حلول تمنع استهداف هذه المحطات. فحين تتحوّل الكهرباء إلى ورقة مساومة، وتُضرب المحطات كما تُضرب الثكنات، فإننا لا نعيش في دولة، بل في غابةٍ بلا قانون.
لكن الجريمة لا تتوقف عند حدود الكهرباء. مشافي السودان تُقصف واحدة تلو الأخرى، وكأن رعاية المرضى صارت جريمة في عُرف هذه المليشيا. مستشفى السلاح الطبي في الأبيض، مستشفى كرري، المستشفى السعودي في الفاشر، كلها لم تنجُ من القصف. أين الحياد الطبي؟ أين الاتفاقيات الدولية؟ بل أين أبسط القيم الإنسانية؟ أن تُستهدف المستشفيات يعني أننا أمام مشروع إجرامي لا يرى في الإنسان قيمة ولا في الحياة حرمة. حتى سجن الأبيض تحوّل إلى مسلخ دموي، قُتل فيه من لا يملكون حتى خيار الهروب أو الدفاع عن أنفسهم. أيّ انحدارٍ هذا؟.
ما يجري ليس تجاوزًا عابرًا، بل خطة مدروسة لنسف ما تبقى من أسس الدولة.. الماء، الكهرباء، الصحة، الأمن. حين تُستهدف هذه الأعمدة، فإن الغاية ليست تحقيق نصر عسكري، بل سحق الروح المدنية وإجبار المجتمع على الانكسار. وهذا لا تفعله جيوش، بل عصابات مسلّحة بلا مشروع وطني، بلا أفق سياسي، وبلا وازعٍ أخلاقي.
الوقت ليس للمجاملات السياسية ولا للمناشدات الرمادية. يجب قولها بوضوح.. الدعم السريع فقد شرعيته، وفقد معها أي مبرر لوجوده. ما يمارسه اليوم ليس صراعًا على السلطة، بل حربًا على الشعب. والحل لا يكمن في تفكيكه، ومحاسبة من تورّطوا في جرائم القتل والتخريب، وإنهاء هذا الكابوس قبل أن يُجهز على ما تبقى من السودان.
إنّ الظلام الذي يلف الخرطوم اليوم ليس مجرد انقطاع للكهرباء، بل إعلان عن وطن يُنتزع منه النور قسرًا، ويُسرق مستقبله أمام أعين العالم. لا تُطفأ العواصم من تلقاء نفسها، بل حين تُترَك فريسةً لميليشيات لا تعرف من الوطنية إلا الشعارات، ومن الحكم إلا القتل والنهب والترويع.
ولن يكون هناك وطنٌ يُعاد بناؤه ما لم تُعاد للدولة هيبتها، وللمواطن كرامته، وللخدمات العامة قدسيتها. لن يُكتَب لهذا الشعب الخلاص ما دام يُعاقَب على صموده، وما دام العالم يتفرّج على مذبحة تُرتكب بالنار والسكوت.
الخرطوم لا تحتاج لشمعة… بل لعدالة تُضيء الطريق نحو وطنٍ لا تُقصف فيه المستشفيات، ولا تُحوّل الكهرباء إلى سلاح، ولا يُعامل المواطن كعدو. وذاك ليس حلمًا، بل حقّ، علينا أن ننتزعه قبل أن نُطفأ نحن أيضًا.
